ما لم يُرمَ في البحر -حسين بن قرين درمشاكي – ليبيا

لم يترك الموت لـ “عمر” شيئًا يأخذه معه سوى ذكرياته؛ أشرطة شفافة تلتف حول عقله.
عندما استيقظ، كان يقف على أرض زجاجية لامعة، تعكس سماءً بلا نجوم وسحبًا بيضاء. لا شيء سوى هو وذكرياته.
بحث عن أي دليل، فوجد أمامه بابًا خشبيًا عتيقًا، عليه لوحة كُتب عليها: “باب الذكريات”. فتحه، فظهرت شاشة عملاقة تعرض حياته. تذكر ضحكاته العالية ودموعه الحزينة، تذوق مرارة الفشل وحلاوة النجاح. وعندما انتهى العرض، ظهرت على الشاشة رسالة: “هل تريد أن تعيش حياتك مرة أخرى؟”. وافق عمر دون تردد.
عاد إلى الأرض الزجاجية، ليجد بابًا آخر مكتوبًا عليه: “باب النسيان”. فتحه، فظهر بحر هادئ يكسوه ضباب خفيف، وفي وسطه مركب صغير. على مرساته، وجد لوحة تقول: “لا يمكنك العبور إلا بعد أن ترمي كل ذكرياتك في هذا البحر”.
بدأ عمر يلقي الأشرطة الشفافة في البحر، تتلاشى كل ذكرى وتتركه فارغًا، كأن جزءًا منه يموت. كرر العملية حتى لم يبقَ سوى شريط واحد: ذكرى أول لقاء مع حبيبته. تردد. نظر مجددًا إلى المرساة، فوجد لوحة صغيرة: “المركب لن يتحرك إلا إذا ألقيت به كل شيء”.
تنهد وألقى بالشريط. ابتلعته الأمواج وتركته يرتجف، كجسد بلا روح. تحرك المركب، وعبر إلى عالم جديد لا يعرفه.
فجأة، سمع صوتًا يعرفه جيدًا.
“عمر.. لقد انتظرتك طويلًا”.
التفت، فوجد حبيبته أمامه، شابة بعيون لامعة وابتسامة دافئة.
“كيف؟” تساءل عمر.
ابتسمت ومدّت يدها، فأمسك بها. شعر بأن شيئًا قد تغير. نظر إلى يده، فوجدها فارغة من كل شيء، إلا من دفء يدها. نظر إلى عينيها، فوجدهما تلمعان كنجمتين غريبتين، لا تحملان أي ذكرى.
مشى إلى جانبها، وفي الأفق البعيد، رأى مئات الأشرطة الشفافة تطفو على سطح البحر، ولكنها لم تعد تحمل أيًا من ذكرياته. لقد أصبحت مجرد أشباح فارغة.



