مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
وجهاً لوجه

حوار عوالم السرد في تجربة حسين بن قرين درمشاكي-ماجد القيسي

يأخذنا الأدب في رحلاتٍ لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل تعبر بنا إلى أفق الإنسان في تعقيداته وتناقضاته. واليوم، يسعدني أن أحاور قامةً سرديةً ليبيةً استطاعت أن تحفر اسمها في ذاكرة القصة القصيرة بمداد من وعي وجمال؛ القاص المبدع حسين أحمد الشريف بن قرين درمشاكي من مواليد : 1971.3.17م وابحر في مجالات مختلفة من الكتابة: القصة/القصة القصيرة/ القصة القصيرة جدا/الومضة القصصية/ الشذرة/الشعر/ الخاطرة/ المقال السياسي الساخر. كما أصدر العديد من المؤلفات في مجال القصة القصيرة جدا والقصة القصيرة والديوان الشعري والنقد وغيرها من المؤلفات التي تم ترجمت بعضها الى الفرنسية وغيرها من اللغات واجريت معه العديد من الحوارات الصحفية في مختلف وكالات الاعلام الحر.

نرحب بك يا أبا علي في هذا الفضاء الحواري، لنبحر معاً في عوالمك القصصية ونستكشف مسارات الفن والكلمة.

  • أهلا بالأديب والاعلامي، القاص والناقد الكبير الأستاذ ماجد القيسي.
  • تحضر البيئة الليبية بتمثلاتها المتعددة في نصوصك؛ إلى أي مدى يساهم “المكان” في صياغة الفعل السردي في قصصك، وهل هو مجرد خلفية جغرافية أم محرك أساسي للأحداث؟

ج: المكان في نصوصي ليس ديكوراً مسرحياً، ولا بطاقة بريدية جامدة سأؤثث بها الفراغ؛ إنه كائن حي يتنفس، يحب، ويقسو، ويمارس سطوته على المصائر. البيئة الليبية، بامتداد أفقها وسحر حكاياتها المنسية، هي الرحم الخصب الذي يولد منه الفعل السردي ويشكل وعي الشخوص. إنني لا أكتب عن المكان، بل أكتب به وفيه، ليتحول من حيز جيوتاريخي إلى بطل سري يتقاسم الدراما والبطولة مع الإنسان.

  • كيف يوازن القاص حسين بن قرين درمشاكي بين الحفاظ على “الهوية المحلية” في لغته السردية، وبين الانفتاح على “العالمية” التي تفرضها قوانين القصة القصيرة المعاصرة؟

ج: المعادلة تكمن في الإيمان بأن المحلية المغرقة في الخصوصية هي أقصر الطرق نحو العالمية. الهوية ليست انكفاءً على الماضي، إنها التقاط للروح الليبية الخالصة بنكهتها، ورموزها، وتفاصيلها الإنسانية وصبّها في قالب حداثي يمتلك مرونة القصة المعاصرة. العالمية لا تعني تقليد الآخر، إنها تقديم الإنسان بصدق يجعله عابراً للقارات؛ فالوجع والدهشة لا يحتاجان إلى تأشيرة سفر، واللغة الذكية هي التي تطوّع الخصوصية لتخاطب الوجود.

_ يلاحظ في تجربتك القصصية اهتمام لافت بـ “البدايات” و”النهايات” الصادمة؛ هل تعتبر القصة القصيرة فنَّ “القبضة الواحدة” التي يجب أن تباغت القارئ منذ السطر الأول؟

ج: نعم، وبشدة. القصة القصيرة هي فن التكثيف واللحظة الوميضية، تشبه رياضة القنص؛ لا تحتمل الترهل أو الالتفات الجانبي. البداية عندي هي “شص الصيد” الذي يعلق به وعي المتلقي منذ الكلمة الأولى، والنهاية هي الضربة الارتدادية التي لا تُنهي الحكاية وإنما تبدأها في مخيلته. القصة الناجحة هي التي تقبض على أنفاس القارئ بقوة، وتتركه بعد نقطة الختام مشدوهاً يعيد ترتيب العالم في ذهنه.

  • كيف تتعامل مع الشخصية القصصية؟ هل هي صدى لواقع معاش، أم هي وليدة خيال خالص يتم تشكيله لخدمة فكرة فلسفية معينة؟

ج: الشخصية القصصية عندي مزيج كيميائي معقد؛ تولد نواتها من ملامح منسية على أرصفة الواقع كعابر طريق، أو نظرة متعبة، أو نبرة صوت انكسرت ثم يتلقفها الخيال ليعيد صياغتها، وينفخ فيها من روحه لتتحمل الأبعاد الفلسفية والنفسية للنص. أنا لا أصنع شخوصاً كرتونية لتمرير فكرة، أنا أتركها تعيش أزمتها بكامل حريتها، ومن قلب صراعاتها الإنسانية تبرز الفكرة وتتضح معالمها تلقائياً.

  • في ظل هيمنة الصورة والوسائط الرقمية، كيف تقرأ واقع “القصة القصيرة” في ليبيا والوطن العربي؟ وهل ما زال للكلمة المكتوبة القدرة على إحداث الدهشة والتغيير؟

ج: على الرغم من أن الوسائط الرقمية خلقت نوعاً من التشتت، إلا أن هذا العصر هو للمفارقة عصر “القصة القصيرة” بامتياز؛ فالإيقاع السريع للحياة جعل المتلقي يميل للنصوص الخاطفة. واقع القصة في ليبيا والوطن العربي يشهد حراكاً لافتاً بأصوات حقيقية تفرض حضورها. أما عن الكلمة المكتوبة، فستظل تملك سحر السيطرة؛ الصورة تخاطب العين وتكتفي، بينما الكلمة تخترق البصيرة لتبني صورها الخاصة داخل مخيلة القارئ، وهنا يكمن الخلود.

  • ما هو “المشروع” الذي يحمله حسين بن قرين درمشاكي من خلال كتابته؟ هل ترى أن القاص ينبغي أن يكون “شاهد عصر” يوثق التحولات الاجتماعية والسياسية، أم أن وظيفته تتجاوز ذلك نحو آفاق جمالية صرفة؟

ج: مشروعي هو “أنطولوجيا الإنسان” في تحولاته، وانكساراته، وأشواقه. القاص لا ينفصل عن مجتمعه، فهو بالضرورة شاهد عصر يوثق النبض الخفي للتحولات، بعيداً عن أسلوب المؤرخ أو الصحفي الفج. وظيفة المبدع أن يمرر هذا الواقع عبر مصفاة الفن، ليحوله إلى قيمة جمالية عابرة للزمن. الشهادة بلا جمال هي تقرير باهت، والجمال بلا همّ إنساني ترف زائف؛ والإبداع الحقيقي هو صهر الاثنين معاً.

  • في ظل توالي الأزمات والتحولات التي شهدتها المنطقة، كيف تغيرت “حساسيتك الكتابية”؟ هل أصبحت كتابتك اليوم أكثر قسوة أو أكثر ميلاً للتأمل الفلسفي مقارنة ببداياتك؟

ج: الأزمات المتلاحقة هي مبارد تصقل روح المبدع أو تدميها. لقد نضجت حساسيتي الكتابية وتغيرت مساراتها؛ فبعد تدفق البدايات وجنوحها نحو التجريب، أصبحت الكتابة اليوم أكثر تقشفاً في اللغة، وتكثيفاً في المعنى، وميلاً للتأمل الفلسفي العميق. قد تبدو للمتلقي أكثر قسوة، لكنها قسوة تشبه مشرط الجراح؛ نابعة من الرغبة في تعرية الواقع ومواجهة الحقيقة دون مساحيق تجميلية.

  • بصفتك قاصاً خبيراً، ما هي “الوصية” أو النصيحة التي تود تقديمها للأقلام الشابة التي تخوض اليوم غمار كتابة “القصة القصيرة جداً” أو القصة التقليدية في ظل ضجيج النشر الإلكتروني؟

ج: وصيتي الأولى والأخيرة لهم: اقرأوا بكثافة، وتريثوا طويلاً قبل النشر؛ فضجيج الفضاء الأزرق والإعجابات الفورية فخ مضلل يصنع وهماً زائفاً بالنجومية ويميت الموهبة في مهدها. القصة القصيرة جداً ليست خاطرة عابرة، والقصة التقليدية ليست مجرد حكاية عادية؛ كلاهما هندسة لغوية ومعرفة بآليات السرد. ابتعدوا عن الاستسهال، اعجنوا نصوصكم بماء القراءة العميقة.

  • لو أردت اختيار قصة واحدة من مجموع أعمالك لتكون “عتبة” يدخل من خلالها القارئ إلى عالمك الأدبي، فأيها تختار؟ ولماذا؟

ج: لو كان لي أن أفتح للقارئ باباً واحداً يلج منه إلى أروقة عالمي، متجرداً من الفوائض، لقلت له: اقرأ قصة “قُحْط”.
ولماذا؟ لأنها التجسيد الأسمى للاندماج الكامل بين المكان والإنسان الذي يسكن مشروعي الأدبي. هنا يتحول الخراب من شوارع متداعية إلى وجع مستميت يتقاطع مع جسد الشيخ وتجاعيده التي غدت خرائط لسنين عجاف. في هذه القصة تذوب الحدود بين رفات المدينة ورفات الإنسان، لتكون العتبة الأصدق التي تمنح القارئ مفتاح لغتي وتقنياتي السردية بكثافة عالية.
وها هي القصة كاملة لتكون العتبة المشرعة لكل قارئ:

ق.ق.ج / قُحْط
في حلكة مدينة يلفها كفنٌ أسود، انقض عليها وجعٌ مستميت كوحش كاسر. جفت المآقي، واستحالت ينابيعَ داميةً متحجرة.
ذات غسق، وقف شيخٌ محدودبُ الظهرِ، تجاعيده خرائطُ لسنين عجاف، يحدق في رفات حاضرته المتداعية كأنقاض حلم بعيد. عصت الدموع عينيه؛ فاستقر الألم في أعماقه صمتاً أثقل من رصاصة، وجرحاً غائراً بالروح أبى الالتئام.
توارت من ذاكرته لذة البكاء، كما النجوم خلف غيوم سوداء انتُزعت منه قسراً.
وفي تلك اللحظة، لم يعد الشيخ يميز بين خرائط تجاعيده وخراب المدينة… فجسده بات امتداداً لرفاتها.

في ختام هذا الحوار، لا يسعنا إلا أن نشكر الأستاذ حسين بن قرين درمشاكي على هذا الفيض من الأفكار والبوح. لقد كان حواراً كشف لنا عن الكثير من خبايا المطبخ السردي، وأكد لنا أن القصة القصيرة ستظل دوماً ديواناً للدهشة، ومرآةً تعكس أنبل ما في الإنسان. دمت مبدعاً ومتميزاً.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading