القصة القصيرة

الرقصة الأخيرة كل صباح -اد صبري غانم

صورة لرجل يبتسم، يرتدي بدلة رسمية وربطة عنق، مع خلفية سائلة بلون رمادي.

الرقصة الأخيرة كل صباح، أُقلّب العملة الذهبية بين أصابعي ، أرميها نحو السماء المُغَبَّشة بدخان المصابيح القديمة، ألتقطها بيدٍ ترتعشُ قليلاً قبل أن تُطبِقَ عليها بقوةٍ محاولا سحقَ القدر بين راحتي. أفتحُ كفيّ ببطءٍ ككاهنٍ يقرأ طلاسمَ الغيب، أتأمّلُ الوجهَ الخفيَّ للعملة. هكذا أشتري يومًا آخرَ من حياةٍ معلّقةٍ على حبلٍ دقيقٍ فوق هاويةٍ من صمتٍ مُطبق. في هذا السيرك العتيق الذي يشبهُ جسدي المُنهَك، تتداخلُ روائحُ نشارة الخشب مع عرقِ الخوف الذي ينضحُ من مسامّي كلّما ارتفعتُ عن الأرض. أرتدي ثوبًا مُرقّعًا يخفي ندوبَ الزمن، وأرسمُ على وجهي قناعًا من ألوانٍ زاهيةٍ تُغطّي خوفي. الضحكةُ العريضةُ المرسومةُ بالفرشاةٍ ليست سوى ستارًا لصرخاتي المكتومة التي تتردّد في جوف الليل حين يُحيط بي الظلامُ ويُذكّرني بأنني مجرّدُ عظامٍ هشّةٍ تترنّحُ فوق حبلٍ مشدود. “المهرّج لا يموت، إنه يختفي وراء الستار حين تنطفئ الأضواء”، كنتُ أتمتمُ بهذه العبارة كلّما رأيتُ ظلَّ الموت واقفًا في زاويةِ المسرح، يراقبُ حركاتي باهتمامٍ، ينتظرُ اللحظةَ التي سأنزلقُ فيها. الموتَ ليس شبحًا مُخيفًا، إنه رفيقُ لعبةٍ يوميةٍ نتبارى فيها: أرمي العملة، وهو يرمي قدَرًا كأسطورةٍ مكتوبةٍ على جدرانِ هذا السيرك. في الليالي التي يجافيني فيها النومُ، أسمعُ همسَ الحبلِ و هو يخنقُ أنفاسي. يُلتفُّ حول رقبتي كأفعىٍ جائعةٍ، بينما الجمهورُ يضحكُ في الخلفيةِ, كأنّ الأمرَ مُجرّدُ خدعةٍ مسرحية. أستيقظُ مذعورًا، أتحسّسُ وجهي المُتصلّبَ بالطلاء الجاف، وأتذكّرُ طفلتي الصغيرةً التي تنتظرني في البيت عائدةً من المدرسة وأحاديثَ عن يومٍ عاديٍ لم نعشه أبدًا. “لقد تجاوزت الستين، السيرك بحاجةٍ إلى دماءٍ جديدة”، قال المدير الجديد بينما يُعدّلُ ربطةَ عنقه الحريرية ٍ. حاولتُ أن أبتلعَ الهواءَ, شعرت بأنني أختنقُ بلا حبل وبثقلِ جسدي المُتدلّي فوق الكرسيٍّ. ماذا عسايَ أن أفعلُ خارجَ هذه الخشبة؟ من سيشتري ضحكةً مرسومةً على وجهٍ عجوزٍ؟ خرجتُ أجرّ أذيالَ الهزيمة أمام مرايا الممرّاتِ ، كلُّ انعكاسٍ يُذكّرني بأنني لم أعدْ ذلك الشابَّ الذي يقفزُ بين الأرجوحاتِ كفراشةٍ. الموتُ الذي ظللتُ أتحدّاه ثلاثين عامًا أصبحَ الآنَ يتربّصُ بي في زاويةِ غرفتي، ينتظرُ أن أرقص رقصةَ الاستسلام. ارتديتُ الثوبَ المُرقّعَ ، وضعتُ طبقةً سميكةً من الألوانِ كي لا تُبصرَ ابنتي الصغيرةُ دموعي تتسرّبُ من تحتِ القناع. صعدتُ إلى الحبلِ كأنني أصعدُ إلى سقالةِ إعدام، قدميَ العاريتينِ تذكّرا رقصتي القديمةَ. تحرّكتُ بخفةِ شبحٍ يعرفُ كلَّ ثنيةٍ في هذا الحبلِ ، كلّ لفةٍ حول العقلةِ تحكي قصةَ سقوطٍ نجوتُ منه، كلّ قفزةٍ في الفراغِ هزَأتْ بظلّ الموتِ الواقفِ في الأسفل. انزلقَت قدمي فجأةً, الحبلَ خانني بعد سنواتِ الوفاء، التفتْ حول عنقي بقسوةٍ كما يحدث في أحلامي. سمعتُ صرخاتِ الجمهورِ تتحوّلُ إلى همساتٍ بعيدةٍ، ورأيتُ الأضواءَ تذوبُ في نورٍ أبيضَ دافئ. هبطتُ بلطفٍ على عربةٍ من حريرٍ تجرّها حماماتٌ بيضاءُ، بينما ظلّ جسدي المُتصلّبُ بالطلاءِ يهتزُّ على الحبلِ. رأيتُ ابنتي تركضُ نحوي بينما الزملاءُ يحاولون إبعادَها، سمعتُ صوتَها يقطعُ الظلامَ: “أبي! أداؤك هو الأجملَ الليلة!”. ابتسمتُ أخيرًا بلا حاجةٍ لألوانٍ تُخفي الفرحَ الحقيقي، لوّحتُ لها من على العربةِ التي حملتني نحو سماءٍ لم تعدْ تخفي وراءها سوى موسيقى صامتةٍ… وضحكةٍ عريضةٍ حُفرتْ على وجهٍ لم يعدْ يحتاجُ إلى قناع. 

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading