القصة القصيرة

د. بهية كحيل – الصرخة…

A woman wearing a pink hijab with sunglasses on her head, smiling warmly.

كمموا فاه ورموه خرقة بالية في قبو معتم رطب ، استقبلته رائحة العفونة الواخذة استقبالاً حافلاً رحب به الغبار المتراكم على الارضية ، فانتشر وملأ الفراغ بين الأرض والسقف ، ولولا ذلك الضوء الخفيف الذي ينتثر من فتحة صغيرة أعلى أحد الجدران المتهرئة لكان قد غاص في ظلمة دامسة .
فتح عينيه بصعوبة و استطاع بعد جهد أن يميز كرسيين متهالكين ، طاولة حديدية يعلوها مصباح صغير يتدلى من السقف أشبه ما يكون بمشنقة ، وهناك بعض الاشياء التي تزاحمت في ركن قصي لم يستطع النور الضعيف أن يصل اليها ، فبدت كخيالات مرعبة ، أو كأشباح تهيم في المكان .
شيء ما قابع في الزاوية تحرك باتجاهه ارتعدت فرائصه ، التف حول جسده المنهك . أنفاسه المتكورة داخل صدره كان يلزمها الكثير من الحشرجة كي تخرج إلى ظلام الفراغ الذي لفه منذ الدقيقة الأولى التي رمي بها إلى هنا .
اقترب الشيء، التصق به .. صرخة ألم شديد، يسقط على الأرضية ،صرخة أخرى مذبوحة ، ويفقد وعيه ثم صمت !!
أما الصرخة فقد اصطدمت بالجدران بالسقف بالأرض ضاق بها المكان وهي تبحث عن مخرج لها فاستدقت ، ثم انسالت من فتحة أسفل الجدار حيث اعتادت القوارض أن تسرح وتمرح في غمرة العفونة والرطوبة والليل البهيم .
دخلت الصرخة جحر الجرذ ، سارت فيه محمومة لاهثة قوية تبحث عن شعاع نور لتخرج من هذا الجحيم ، ثم انطلقت في باطن الارض تزاحم ذرات التراب الناعمة ، تدفع أحجاراً صغيرة ، تمر بين جذور الأشجار ، تحت درنات الزنابق ، قرب حلزونات التربة وديدانها .
تصطدم بجدار قرميدي لقبر صغير … صغير جداً، انتابها الفضول ، فتسللت عبر الفتحات الصغيرة التي نسي حفار القبور اغلاقها تماماً .
وجمت الصرخة وهي ترى طفلاً صغيراً مضرجاً بدمائه فهدأت حدتها ، تحولت إلى رنين حلو ناعم ، وهمسات دافئة ، اقتربت من الصغير وبدأت تناغيه .
ابتسم ، فتح عينيه ، فبادرته الصرخة قائلة :
 ما الذي أتى بك يا صغيري ، من المبكر جداً أن تتمدد هنا .
 أجاب الصغير : ذات صباح بحثت عن أبي فلم أجده.. ثم قالوا لأمي يجب ان ترحلي من هنا ورحلنا . في الشارع كان هناك الكثير من الناس يركضون في الأزقة .
ضمتني أمي إلى صدرها ، ولحق بنا أخوتي .. كنا جميعاً خائفين ، وفجأة حملتني غيمة ، وصعدت بي إلى الأعلى ناديت أمي ، أخوتي لم يسمعوني فقط لوحوا لي من بعيد ، وعندما كنت أشتاق لأمي أتسلل في عتمة الليل لأزورها وأطمئن عليها فأراها تبكي ، وتحضن اخوتي في بناء مهجور ، وذات مساء ذهبت اليهم كعادتي فلم أجدهم .. كانوا قد رحلوا ، ومنذ ذلك اليوم ، وأنا ممدد هنا أشتاق لصوت أمي العذب ، وهو يروي لي حكاية قبل النوم .
ارتجفت الصرخة ، تألمت ، وبصوت تملؤه الدموع حكت للصغير حكاية فغفا .
الألم الذي انتابها جعلها تصبح كسكين حادة تشق الأرض بعنف . وفجأة اصطدمت الصرخة بجثة شاب ما زالت قبضته القوية متكورة .. آه إنه ليس شاباً بل عدة شبان لا جدار قرميدي .. لا أكفان .. فقط جثث مرمية فوق بعضها بعضاً سمع الشاب الصرخة ، وأحس بالصدمة تململ ، فتح عينيه ، ثم أدار وجه ليداري دمعة خذلان لم تجف بعد في محجريه .
اما الشبان الآخرون فقد ارتسمت الخيبة والمرارة على وجوههم التي غاب عنها بريق الحياة وحرارة الدماء فبدت شاحبة
تهادت الصرخة فوق الجثث تمر تحت ساق تارة ثم تعلو ثانية فوق رأس مثقل بأحلام ما لبثت أن التحمت بالصرخة ، ولم يعد يبقى في القبر الجماعي سوى أشلاء شبان باردة بلا أحلام .
تابعت الصرخة مسيرها وقد أصبحت أكثر سرعة بعد أن اكتسبت من الحلم ألقه ، وراحت تبحث في ظلمة الأرض عن بصيص أمل ، واثناء بحثها ارتطمت بشيء معدني ، فعلا صدى ، وسمع رنين لقطع ذهبية تملأ جرة كبيرة مدفونة في باطن الارض .
صعق الحلم كتمت الصرخة أنفاسها ، وظل الاثنان في حالة من الابهار ، ثم اقتربا من الجرة التي بدت حزينة متثاقلة بما تحويه .
سألها الحلم : ما بك ، ولم أنت حزينة .
أجابته : يوجد فوقي كوخ فقير يضم عائلة بائسة يشبع أطفالها يوماً ويجوعون أياماً كم أتمنى ان أنفض عن كاهلي تراب الأيام ، وأنهض لأرى النور .
كم تسللت ليلاً إلى أحلامهم ، وكم تاقت نفسي للقياهم .. وكم أرسلت اشعاعاتي القوية ، وانا أدعو الله أن يشعروا بي أو تهتدي معاولهم إلي .. لم يتحقق حلمي وها أنا ذي قابعة هنا أنتظر الفرج .
ابتسم الاثنان بمرارة ( الصرخة والحلم ) ثم لوحا لها مودعين ، لكن الوهج الذهبي لحق بهما ثم اتحد معهما ، وسار الجميع في طريق غابت معالمه .
وفجأة لاح شعاع بسيط ، انه برعم جديد يخترق التراب ، ويشق سطح الأرض
سارعت الصرخة والتحمت مع البرعم الصغير ، فها قد وجدت الطريق إلى النور أخيراً
رحبت بها الشمس ، فأرسلت نورها ليغسل الظلام ويمحو العتمة ، وليزيد من قوة نمو اللبلابة الصغيرة ، والتي بدأت تكبر ويشتد عودها بسرعة غريبة ، وها هي ذي تلتف بحنان ، تلامس بنعومة ساق نخلة باسقة تتوسط حديقة كبيرة لقصر جميل على أطراف المدينة .
فرحت الصرخة بنجاحها ، وبدأت تعلو ، وتعلو بزهو وفخر على جذع النخلة .
آه ما أجمل الحياة ، وما أشد الفرق بين الظلمة والنور بين عفونة ذاك القبو اللعين ، وبين عذوبة هذا الهواء العليل ..
أما الحلم فقد حلق عالياً .. عالياً جداً فوق سعف النخلة المثقلة بسباطاتها متوجها نحو السماء الصافية بوهج يضاهي وهج الشمس .
أيام وأيام .. ما زالت اللبلابة تكبر ، والصرخة تعلو ، والحلم يتسامى في هذه الحديقة الغناء .
أما النخلة فقد بدت سعيدة منتشيه بأصدقائها الجدد
وذات صباح اكفهرت الشمس ، سديم أسود ملأ السماء ، وصوت أربع أقدام تتجول في حديقة القصر ، ثم تقترب من النخلة .
قال صاحب القصر للبستاني العجوز : ما هذا النبات .لم تركته يشوه منظر النخلة ، انزعه في الحال، ثم أكمل السيد جولته ، أما البستاني العجوز فقد هرع إلى قدومه، ثم انحنى نحو جذر النخلة وراح يحاول اقتلاع اللبلابة الفتية، يميناً يساراً .. يميناً يساراً ، ثم كومها ذليلة حزينة .
وعند الصباح مرت سيارة كبيرة حملتها مع قمامة الحي إلى خارج المدينة حيث يتم دفن النفايات في باطن الأرض .
ارتعدت الصرخة ، وهي ترى التراب ينهال عليها ، وتغمرها العتمة مجدداً، فهبت من جديد وبدأت مشواراً آخر للبحث عن النور

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading