القصة القصيرة

ليلة سقوط الجدار- بلعربي خالد

صورة لرجل مصمم بلحية وشعر قصير، يبتسم نحو الكاميرا، مع خلفية مزخرفة بأوراق نباتية.

في الحيّ الذي كان الناس فيه يعرفون مزاج جيرانهم من صوت إغلاق الباب فقط، اندلع خلاف صغير بين سليم ونورا. خلافٌ يمكن اعتباره — في الظروف الطبيعية — مجرد فتحة إبرة في ثوب الحياة الزوجية، لكنه تحوّل، بفعل قوانين العبث المحلية، إلى ثقب أسود ابتلع الحي بأكمله.

بدأ كل شيء حين سألت نورا سؤالًا بسيطًا:

«من سيغسل الصحون الليلة؟»

لكن السؤال، عندما خرج من فمها، بدا لسليم مثل صفّارة إنذار لدولة تستعد لغزو كوكب آخر.

ارتفعت الأصوات، ارتفعت معها الحرارة، ثم ارتفعت معها أسهم سوق الفضول لدى الجيران. وبعد دقائق، كانت المعركة قد صارت عرضًا جماهيريًا ببطاقات مجانية، يشرحه أبو رشيد باليدين، وتصفّق له أم سارة من شباك الطابق الثاني.

وحين تدخّل الجيران لحل النزاع، شعر الجميع أنهم شاركوا في مهمة قومية عظيمة، رغم أنّ المشكلة في الأصل لم تكن تستحق أكثر من إسفنجة وصابون.

لكن في اليوم التالي، بدأ الغليان الحقيقي.

■ البرلمان النسائي يؤسِّس «الجمهورية العليا للحقوق المنزلية»

في شقة أم سعيد — وهي أوسع شقة في العمارة وأكثرها جاهزية للاجتماعات الطارئة — عقدت النساء مؤتمرًا مصغرًا وضعن فيه «بيانًا تاريخيًا» من ثلاث صفحات وسبع شكاوى وثمانية تعليقات جانبية.

وأعلن البيان ما يلي:

إضراب نسائي شامل عن كل الأعمال المنزلية.

مراجعة النظام الزوجي والمهام غير الموزعة منذ العصور الحجرية.

الاعتراف بأن غسل الصحون ليس هواية نسائية بل عقوبة اجتماعية مجانية.

وبمجرد انتشار البيان، تغيّر الجو.

أصبح الحيّ يعيش توترًا يشبه فترة انتقال السلطة بين مملكتين.

■ تأسيس «الجبهة الرجالية العليا» وبداية الحماقات

أمّا الرجال، فقد اجتمعوا في دكان أبو نائل، المكان الذي يُعتبر مقرًّا رسميًا لأي اجتماع لا يعرفون أين يعقدونه.

وبعد نقاش طويل — أغلبه شكاوى عن ارتفاع أسعار البطاطا — خرجوا بفكرة حاسمة:

بناء جدار يفصلهم عن النساء حتى «تهدأ النفوس».

وهو استنتاج غريب جدًّا إذا ما عرفنا أنّ النساء كنّ هادئات تمامًا لحظة صدور القرار.

وفي غضون ساعات، ظهر الجدار في منتصف الحي مثل ضيف ثقيل يقرر الجلوس على أريكة ليست له.

■ الحياة خلف الجدار: فوضى منظمة بلا سبب

منذ اللحظة الأولى، بدأ العبث الحقيقي:

الرجال فقدوا القدرة على العثور على جواربهم لأن «المرأة المسؤولة عنها في الجانب الآخر».

النساء اتهمن الرجال بسرقة الملاعق من خلال ثغرات الجدار الجديدة.

الأطفال أعلنوا استقلالهم، لكن لم يأخذهم أحد بجدية لأنهم كانوا صغارًا جدًا ليصدروا بيانات سياسية.

حتى الشرطة المحلية، التي لم تكن تفهم شيئًا مما يحدث، أعلنت أن وجود الجدار غير مخالف للقانون… لعدم وجود قانون أصلاً يتناول هذه الحالة تحديدًا.

ومع مرور الأيام، أصبح التسلل شائعًا:

رجل يحاول رؤية زوجته عبر فتحة الجدار.

امرأة تسلّم زوجها ظرفًا يحتوي على قائمة مشتريات سرّية.

أم سعيد تحشو رأس قطتها برسالة دبلوماسية كي تمرّ عبر الفتحة دون تفتيش.

وتم ضبط الجميع وإدراج أسمائهم في سجل كبير اسمه «دفتر الحمقى»، وقد امتلأ بسرعة مذهلة.

■ الثقوب… حين تنتصر الرغبة على الحجر

مع الوقت، ظهر في الجدار عدد من الثقوب أكثر مما يظهر في جبنٍ قديم.

لم يعترف أحد بصنعها، لكن الجميع استفاد منها:

للحديث الخافت،

لتبادل الوجوه المتوترة،

لتمرير قطع كيك،

ولمناقشة أمور أهم من الصحون بكثير: مثل لماذا لا يعمل المصباح في الممر إلا إذا صرخ عليه أحد!

كانت الثقوب رسالة واضحة:

الناس لا يحبون الجدران، بل يحبون ما وراءها.

■ ليلة سقوط الجدار: الكوميديا تتحول إلى حكمة

وفي تلك الليلة — التي ستصبح لاحقًا أشهر ليلة في تاريخ الحي — اجتمع الرجال والنساء أمام الجدار.

لا خطابات، لا بيانات، لا موسيقى وطنية.

فقط صمت طويل، سوى صوت سعلة من أم فارس، وصوت شاي يغلي على موقد غير مستقر.

ثم اقترب أبو عادل — كبير الرجال وصاحب بطن يُستخدم كساعة رملية — ووضع يده على حجر من الجدار.

نظرت إليه زوجته من الجهة الأخرى نظرة طويلة تشبه عبارة:

“يا رجل، كفاك”.

رفع الحجر… وسقط.

ثم تبعه حجر آخر… ثم آخر…

حتى انهار الجدار كله كأنه كان ينتظر فرصة ليسقط منذ الدقيقة الأولى لبنائه.

عانق الجميع بعضهم بعضًا، وتبادلت النساء والرجال ضحكات خجولة.

حتى القطة التي لعبت دور «ساعي البريد» خلال الأزمة، مُنحت مكافأة عبارة عن علبة تونة كاملة.

وفي النهاية، اتفقوا جميعًا — دون ورق ولا توقيع — أن الحوار أفضل من الجدران، وأن الصحون… مهما تراكمت… لا تستحق حربًا أهلية محلية.

وهكذا انتهت ليلة سقوط الجدار، الليلة التي تعلّم فيها الجميع أن المشاكل تبدأ من كلمة… وتنتهي أحيانًا بثُقب صغير في جدار كبير.

بلعربي خالد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading