الوصول إلي سيدي المتولي – انور حافظ علي

لم يكن خافيا علي أحد أن العمدة ” أشرف ” يبدو كما هو معروف عنه بوسامته وشياكته دائما يهتم بمظهرة ،كانت وسيم الملامح ، جسد رشيق ، طويل ، شارب رقيق منسق كما لو كان مرسوم باليد ، يكون حريصا علي شراء ملابسة من محلات بعينها وماركات محددة ، البدل بمختلف انواعها للمناسبات الرسمية ، وكذلك حريصا علي أن يشتري قماش جلاليبه من أكبر محلات العاصمة ، أصبح التجار يعرفونه جيدا ويعرفون عنه حب التميز في كل شيء وكذلك عدم رضاة في حالة وجد من يرتدي مثل القماش الذي حصل علية ، الخياط الذي يحيك له ملابسة لا يتعامل معه الكثيرون ، يقوم بحياكة الجلاليب بشكل يدوي حتي يكون لها تفاصيلها الخاصة وفي سبيل ذلك يتقاضى مبالغ عالية في مقابل عملة ، لا يجرؤ أحد من العامة علي محاولة أو حتي التفكير في الوصول إلي هذه الأقمشة أو الخياط حتي إن فكر من أين له بالمال
لقب العمدة لم يرثه حيث لم يكن جده ولا والده عمدة ولكنة من بين القاب اكتسبها بحكم الثراء والمكانة التي وصل اليها ، أمام المرآة كان العمدة ” أشرف ” واقفا يعيد ترتيب جلبابه فوق جسده ، ثم يهتم كثيرا بتضبيط عمامته فوق رأسه ، له زاوية ميل تتميز بها عمامته ودائما يكون حريصا عليها
تزداد ابتسامته كلما رأي نفسة في المرآه ، كان يحب رؤية نفسة ، يعجبه طول قامته ، النظر الي جسده حيث يبدو ممشوقا لا يوجد لدية كرش كما يوجد لدي معظم العمد ، يختار عطوره بعناية مثل كل أشيائه الخاصة وتفاصيله التي يحرص علي دقتها
حينما أيقن أن عمامته في الوضع الأكثر أناقة وعطوره تنتشر في المكان صاح
- العصاية والعباية يا ولد
انطلق الخادم الخاص مسرعا محضرا العصاية التي تتفق في اللون مع الجلباب الذي يرتديه كما علمة ، وضع مقبضها في يد العمدة ، ثم أرتفع بقديمة عن الارض قليلا حتي يضع له العباءة فوق أكتافه
ثم نظر إلي انعكاس العمدة في المرآه معلقا بفرح :
- عليا الطلاق عمدة يا حضرة العمدة
ضحكا سويا وهما يغادران الحجرة
حينما ظهر العمدة ” اشرف ” أمام الباب تلقفته أصوات الزغاريد ، والتهليل ، والتصفيق وصيحات الأعجاب الممزوجة بعبارات من المديح مع انتشار روائح العود والبخور في كل مكان والتكبير مع الصلاة علي النبي والدعاء بالعمي لكل حاسد يري العمدة و لا يكبر ويصلي علي النبي
خلفت الاصوات والصيحات هالة إضافية لدي العمدة من العظمة والخيلاء ، لم تكن تنقصه ولكن فقط ازدادت ، تعالت أصوات الدعاء له بالتوفيق مع اقتراب خطواته من السيارة ، وعدهم أن يرفع رأسهم ويكون نعم الممثل لهم ، فهو حاملا أصواتهم وأمانيهم حيثما ذهب
أستقر جسده داخل السيارة الفارهة التي يفاخر أنه لا يوجد منها في كل البلاد سوي عشرة فقط ،وان هذا النوع يتم تصنيعه خصيصا وفق المواصفات التي يريدها العميل من المصنع ، عدل جسده علي الوضع الذي يريحه وبطرف عصاة لمس كتف السائق فانطلقت السيارة
حينما وصل إلي المكان كان الانبهار يسيطر علية ، وصل بسيارته قرب الباب ، حيث ممشي خصيصا للعمد والباشوات مثله ، كان قد سبقة البعض من معاونيه بسيارة أخري حينما وصل انطلقوا مسرعين ، فتح له الباب أحدهم ، وقف الاخر مهتما بالتصوير حتي يوثق لحظة وصولة ودخوله المكان ، يعلم جيدا أن هذه الصور تلقي رواجا لدي الناس ، كانت الأضواء تغمر المكان ، حينما دخل كانت تنتشر العديد من العمائم المتميزة مع الكثير من الجلاليب التي لا تتشابه أقمشتها ، لكن معه هو لا ، لا يشبهه أحد
كانت الكاميرات تنتشر في كل مكان ، تحمل كل كاميرا شعار الشبكة الاخبارية التي تمثلها ، تراقب كل مكان وكل لفتة بحثا عن السبق واللقطة التي لم يرصدها الاخرون
بدا المسرح كبيرا وشاسعا ، تغمره أضواء تتراقص مبدلة ألوانها كل لحظات ، كان الاراجوز علي خشبة المسرح يصول ويجول وحيدا ، علي فترات متباعدة كان يصعد أحد الحاضرين إلي خشبة المسرح ، يحاوره الأراجوز وهو لا يخفي عبارات من السخرية حتي يضحك الموجودين علي من يكون علية الدور ،
جاء الدور علي العمدة ” اشرف ” ، صعد بخيلاء إلي المسرح وهو يشعر أن الاضاءة تغمره ، وكل الكاميرات مسلطة علية وعيون الجميع تخترقه ، فبدأ يناجي الأراجوز
- يا حضرة الاراجوز قولي
- نعم يا عمدة عاوز اية ؟
- منين يروحوا المتولي ؟
- امدح نبينا وصل علية
- اللهم صل علية
- تمشي كدة علي طول علي طول لحد ما تلاقي عمارة
- لحد ما الاقي عمارة
- تكسر يمين تلاقي بتاع فول دكانته علي ناصية حارة
- دكانته علي ناصية حارة
- تدخل يمينك وشمالك شارعين وفي التالت تكسر
- شارعين وفي التالت أكسر
- علي اليمين واخد بالك وتمشي علي طول تتمختر
- وامشي علي طول اتمختر
- تفضل كدة تمشي وتلف وتخش من مطرح ما طلعت
- وأخش من مطرح ما طلعت
- ولما تلاقي مقلة لب
- ولما الاقي مقلة لب
- تعرف بأنك تهت وضعت
- والوصفة سهلة والوصفة هايلة *
عندها انطلقت ضحكات الحاضرين ممتزجة مع أصوات التصفيق والصياح المجنون من الجميع
أمام دوار العمدة أجتمع الجميع ، يتابعون العمدة علي الشاشات التي وضعوها في شوارع البلدة ، تعالت أصوات طلقات الرصاص ابتهاجا وسعادة ، ثم كانت أصوات المزامير والطبول تنطلق من المواكب التي تتراص علي مدخل البلدة تنتظر سيارة العمدة ، حينما وصل كانت صيحات المهنئين تتعالي في كل مكان ، والوفود القادمة من البلاد المجاورة تحمل التهاني والتبريكات ، اكتست الشوارع بلافتات التهاني والاماني بدوام الانتصارات ، كان الجميع يؤكدون أمامه أن شاشات التليفزيونات كلها قد أضاءت بظهوره ، وأنه كان أكثر روعة من نجوم السينما الذين لا بد أن الغيرة تقتلهم منه حاليا ، تعالت الأصوات التي تحمد الله علي توفيق العمدة في مسعاة ،
أستمرت الاحتفالات والولائم وتوالي الوفود علي مدي ثلاثة أيام كاملة من مطلع الفجر إلي الفجر
وظل السائق وحيدا حائرا وهو يجاهد محاولا أن يفهم ما حدث
- من اوبريت الليلة الكبيرة للشاعر صلاح جاهين





