القصة القصيرة

قبلة ساخنة في مقهى – محمد مزيد

Close-up portrait of a man wearing a flat cap, looking thoughtfully to the side against a blurred background.

فجأة ، دخل مجموعة من الشبان والشابات ، يحملون الكاميرات السينمائية وعدد التصوير وحوامل ومصابيح اضاءة وحقائب متنوعة، فيها أدوات المكياج وملابس الممثلين، دخلوا المقهى الذي اتناول فيه الشاي صباح كل يوم ، لإكتب أجزاء من روايتي ، انشغل زبائن المقهى مثلي بهؤلاء الشباب المتضاحكين المعربدين ، كانوا بحدود عشرين شابا ، عدد الشابات اكثر من الشبان ، بعضهن يتراقصن ويغنين ، وجوه جميلة ساحرة ، بيضاء وآخرى ملطخة بالأصباغ ، وضعوا عدتهم ارضا ، ونصبوا الكاميرات وبلوجكترات المصابيح وتم اعداد الديكور بسرعة ، اذ أن الكل كان يشتغل ، تركت اهتمامي بإبطالي وتفرغت لمراقبتهم، اذ ليس مستساغا لدى الاتراك ان يطردوا أحد الزبائن من المقهى، وبعد ان تم نصب الأجهزة ، توجهت الأنظار الى بوابة المقهى، لتطل فتاة فاتنة بحق ، ترتدي تنورة قصيرة جدا بنفسجية وقميصاً ابيض يظهر كرتا صدرها الناهد ، يرافقها شاب يمشي بخيلاء مثلها ، رافعا انفه الى السماء، كرهت الشاب واحببت الفتاة ، علمت فيما بعد انهما بطلا المشهد الدرامي الذي سيصور هنا في المقهى .. بعدها دخل رجل يحيط به مجموعة من المساعدين ، كان يبدو انه مخرج العمل، متجهم الوجه ينظر الى سقوف المقهى المفتوح الى السماء ، بغير فضول، كما لو انه يعرف المكان ، اثارت اهتمامي الفتاة ذات التنورة البنفسجية، يبرز ساقاها كأنهما مصنوعتان من العاج الأبيض وبشرة وجهها الدائري ناعمة تلاعبها الريح وشعرها اسود ، اظن اذا لمستها باصابعي المتخشبة سأدخل الى الجنة فورا، بدون محاسبة على ذنوبي وآثامي، تمنيت ان تجلس هذه الفاتنة قربي كي اشم انفاسها المعطرة الذي يخرج من فمها وانفها المخروطي الذي يشبه انف نيكول كيدمان في فيلم المدللة ، المقهى واسع بمساحة ملعب كرة السلة ، جلس الكثير من العاملين على الكراسي يحتسون الشاي ، والعصائر ، كنت بينهم ايقونة ناشزة ، وحدي اجلس الى طاولتي ، ولما وصلت الفاتنة ( البطلة ) كما اتصور الى الحشد ، لم تجد مكانا لتجلس، لكنها وجدتني جالسا لوحدي، قالت شيئا للشاب المنفوخ المغرور ، ثم تقدما الى طاولتي ، حدسي لا يخيب في امور كهذه ، انهما قادمان الى مكاني، ثمة كرسيان فارغان بجانبي ، ارتبكت ، ابتسمت الفاتنة لي واشارت الى الكرسي بادب فنانة مثقفة، كما يبدو، طالبة ان تجلس بجانبي ، وفعل مثلها الممثل الشاب الأبيض الفاتن مثلها ، جُلب لهما العصير بقدحين ذا عنق يتميز عن باقي الاقداح الموزعة على طاولات الممثلين والكادر ، عرفت انها وردة قداح هذه الجمهرة ، كل الانظار تتجه اليها ، بشغف وحب وابتسامات جميلة ، الا فتاة واحدة كانت غاضبة منزوية الى طاولة وحدها، تنظر بغضب الى الشاب الممثل ، وبغيرة وحقد الى الممثلة الفاتنة التي لفحني عطرها واسكرني ، كانت الممثلة لا تنظر الى احد، عيناها مرفوعتان الى الجدران والسقف تنظر كما أتصور الى السقوف واللوحات مرسومة عليها اشكال تجريدية ، وبالرغم من ان الممثل الفاتن يداعب يديها على الطاولة، لكنها لم تأبه له، لم يطلب احد مني المغادرة ، فقلت للممثل ” هل تودون ان اغادر المكان ” ضحكت الممثلة وسمعت حشرجة مؤلمة في صوتها ، لكن الضحكة انعشتني ، فجرت ضحكتها كل الهسهسات في جسدي وروحي ، قالت ” انت جزء من المكان ، انت غريب كما يبدو ” فأشرت برأسي موافقا .. جاء المخرج كبير السن ، رطن معهما ، وبيده دفترا وأشار الى جملة معينة في الدفتر الكبير الذي يحمله كان عليها أن تقولها ، ولما رددتها ، لم يرض عن ذلك ، فكررتها ثانية وثالثة ، والمخرج غير راض ، كان يريدها ان تسرع اكثر في لفظ الحروف ، فأسرعت في المرة الاخيرة ، وقبل ذلك … لاحظت الفتاة المتجهمة، تراقب بانتباه ما يجري على منضدتي ، صاح احد العاملين ” هل انتم جاهزون ؟ ” نصبت ستارة في اقصى المقهى ، ستارة من القماش الأبيض الخفيف وخلفها منضدة وكرسيان ، لاحظت ذلك حينما رفع احدهم الستارة ، نهض الممثلان ، ذهبا الى طرفي الستارة ، ولما ابتدأ التصوير ، دخلا خلفها ، كنتُ بصعوبة بالغة قد منعت نظري من اللحاق برقصة مؤخرة الفاتنة ، كانت تترنح بشكل اصابني بالدوار ، وتساءلت في ذهني ” من هو صاحب الحظ الوفير الذي يعتصر هذين الوركين الى حضنه من بين هؤلاء المعربدين من الشبان ، ولما اختفي الممثلان وراء الستارة ، وقعت عيناي على الفتاة المتجهمة ، كانت تلاحق بنظراتها الشاب الممثل الفاتن ، صاح المخرج ” كيو ” ثم حبست الانفاس، وتوقفت الحركة والاصوات ، بدأت الكاميرا تدور ، لم تمنعني الستارة الرقيقة من رؤية الممثلين وهما يقفان حول الطاولة ، فجأة امتدت يداي الممثل الى كتفي الممثلة وقرب وجهه من وجهها فلثمها بقبلة ، لأول مرة في حياتي ، طوال فترة اقامتي في هذه البلدة التركية ، أرى شابين يتبادلان قبلة امام الأنظار ، ولكن اية قبلة ، كانت ساخنة، لاحظت الممثلة الجميلة ذات الوركين الكبيرين قد ذابت فيها الى حد الانصهار ، أظنني سمعت حشرجات أنفاسها تأتيني على اجنحة من نسائم باردة، لاحظت الفتاة الجميلة المتجهمة نهضت من مكانها مرتبكة ، تقدمت من طاولتي ثم جلست من دون ان تعيرني اية أهمية ، اخذت تراقب المشهد من زاوية اخرى اكثر وضوحا ، صاح المخرج ” استوب ” اعيد مشهد القبلة مرة ثانية ثم ثالثة ، بدأت الفتاة التي بجانبي مضطربة، تنقر اصابعها على الطاولة بعصبية وباليد الاخرى مسكت اصابعي، فلم اسحبها تماهيا مع جنون قلقها ، كانت غير قادرة على مسك اعصابها ، تركت مراقبة مشهد القبلة ، واخذت انظر الى مشهد الحرائق التي اشتعلت في نفس الفتاة المتجهمة الماسكة اصابعي من غير ان تدري، ثمة قصة كما يبدو بين الفتاة غير الممثلة مع الممثل الفاتن، اترك لكم تأويل ألسنة الحرائق المنبعثة من فمها وانفها واصابعها وقد اشتعلت هذه العاشقة الى الحد الذي لا يمكن اطفاؤها بسهولة ، اعيد مشهد القبلة عشر مرات ، ولما انتهى ، لاحظت عيني المتجهمة أغرورقت بالدموع . لماذا بكيت ؟ تأويل ذلك لكم حتما .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading