مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

ظلّان على الرصيف – عبد القادر بوطالب

رجل يتحدث أثناء اجتماع، يرتدي قميص أزرق، ويرتدي نظارات، مع التركيز على يده أثناء الإشارة.

كانت الشمسُ تميلُ نحو المغيب، وقد رسمت بأشعتها الذهبية الباهتة لوحةً حزينةً على أنقاض المدينة التي كانت يومًا ما تعجُّ بالحياة. الآن؛ لم يبقَ فيها سوى هذا الدمارٌ والحطامٌ المتناثر، وأرصفةُ شوارعَ مشقَّقة تكسوها الأتربة، وبقايا مبانٍ مهدمة تحوَّلت إلى هياكلَ قاتمة شوَّهتها الحرب. المدينةُ خاويةٌ… لا أحد هنا، الجميعُ رحلوا.

        في هذا المساء، وفي هذه اللحظات بالذات، كان هناك رجلان يسيران فوق الرصيف المحاذي لمعمل الوقيد، يُرافقُهما ظلَّان منكسران على الأنقاض المتراكمة على امتداد الشارع. كانا يخطوان باتجاهين معاكسين، دون موعدٍ مسبق، وكأن القدر يريد أن يجمعهما في مكانٍ لم يعد قادرا على احتضان غير الخراب والدمار. كان كلاهما يحملان جراحات الحرب وأوجاعها، كان كلاهما مقاتلين في صفوف إحدى الجماعات المتحاربة، بالأمس كان عدوين شرسين …… اليوم، أصبحا ظلين لرجلين منهكين ومحطمين، تحوَّلت أحلامُهما غبارا تحت الأنقاض.
التقى الرجلان عند تقاطع شارع مغلق. هناك؛ حيث كان ذات يوم مقهى صغيرٌ يعجّ بعمّال معمل الوقيد، لم يبق منه الآن سوى جدرانٍ محطَّمة؛ تشهد حكايات عمال مروا من هنا. بالكاد تستطيع أن تقرأ حروفا مبعثرة بين الدمار: “معمل الوقيد “، بينما صورة النمر والفارس الممتطى لجواده تطلان من بين الأنقاض كشبحٍين غامضين، شاهدين عن زمنٍ ولّى قبل أن تدك الحرب كل شيء، وتختفي هاتين العلامتين التجارتين من حكايات الناس…. من حكايات أمهات كن يخبأن علب الوقيد في صدورهن، حتى لا يفقد حين يعز الطعام، ومن حكايات مدمني الكيف في الليالي الباردة…

توقّف الرجلان معًا، كما لو أن أقدامهما تجمدتا، والتصقتا بالأرض. تبادلا نظراتٍ صامتة، أكثر عمقًا من كل الكلمات التي يمكن أن تقال في مثل هذه اللحظات. ثم التفتا معًا – وكأن قوّة خفيّة كانت تحركهما – نحو المدينة الخاوية، كانا يبحثان بين أطلالها عن إجابات لتساؤلاتهما. 

مرت برأسيهما المثقلين نفس التساؤلات ونفس الهواجس التي لا تُجارى في مثل هذه المواقف القلقة، دار بينهما حوارٌ صامتٌ، كان أكثر بلاغةً من أي كلام:

“ماذا لو كنتُ قاتلك حين كانت الحرب مشتعلة؟ ماذا لو كنت أنت قاتلي؟ هل كنتُ سأقف هنا اليوم، وأنت تقف أمامي بهذا الجسد المنهك وهذا الوجه الشاحب؟ هل كنا سنتبادل هذه النظرات؟  كان أحدنا أو كلانا الآن مجرّد ذكرى؟”

أحسّ كلٌ منهما بيده تتحرك نحو سلاحه، ما زال بإمكان أحدهما أن يقتل الأخر. لكن… لِماذا؟ الحرب انتهت، والمدينة أصبحت أثراً بعد عين. أي معنى للقتال الآن؟   

ساد بينهما صمت ثقيل، كجدار من حديد. غير أن رياحا هبّت فجأة، حملت معها رائحة الرماد الخانقة، وكأنها تذكرهما بكل أوجاع الحرب؛ وتهمس بها في أذنيهما. عندئذ؛ التقطا أنفاسهما معاً، وأدركا عبثية وقوفهما هنا، وبهذا الشكل.

التفت أحدهما ببطء نحو أنقاض معمل الوقيد، وانحنى قليلاً كما لو كان يلتقط شيئاً من الأرض. ثم رفع صوته الأبح، وكأنه يحاول كسر هذا الصمت الرهيب الذي خيم على المدينة: “لماذا كنّا نتقاتل؟”

– كيف يمكن لسؤال بهذه البداهة أن يبدو الآن غريباً وسخيفا؟ ارتسمت على وجه الرجل دهشة غريبة ومخيفة، تردد قليلا، وهمس بإجابة كانت على لسان الجميع: “كُنّا أعداء…”
لكن الرجل الأول قاطعه بسرعة، وصوته هذه المرة أكثر حدة: “والآن، بعد كل هذا الخراب… هل ما زلنا أعداء؟”

أدارَ أحد الرجلين وجهَه نحو ظلِّه الممددّ على ناصية الركام، ورفع عينيه نحو الشخص الواقف أمامه. رأى الدموعَ على خدَّيْه تختلطُ بالتراب الذي غطّى جل وجهه، ثمّ قالَ بصوتٍ يخفقُ بالألم:

“قتلنا أناسًا لم نكن نعرفهم، لم نكن نعرفُ أسماءَهم ، وقاتلنا مَن لم يكونوا يعرفوننا.”

صمتَ قليلًا، ثم أضاف:

“لم نكن بالأمس أعداءً ، ولن نكونَ غدًا… أليس كذلك؟”

وبأنفاسٍ ثقيلة ومتعبة، جلسا على الرصيف، تحت ظلِّ عمود إنارةٍ منكسرٍ من المنتصف، وقد تدلّى نصفُه الأعلى نحو الرصيف المقابل للشارع، وكأنه ينحني خَجَلاً من أناس مروا من هنا، ولن يعودوا أبدا. بعد صمتٍ طويل، تكلّم أحد الرجلين:

“لو كنت قاتلك… أو كنت قاتلي، هل كان هذا سيغير من أمرنا ، ومن أمر هذه المدينة ؟”

أجابَ الرجل الثاني بنبرةٍ فيها نوع من الاستسلام المرير:

“ربما كُنا سنصبحُ مجرّد أرقامٍ في تقارير … أو أسماءً تُنقشُ على حجرٍ بارد.”

ضحكا معا هذه المرة ضحكةً مليئةً بالحسرة والمرارة، ثم تبادلا نظرات نحو السماء، حيث بدأت النجوم تظهر الواحدة بعد الأخرى، كشهودٍ على عداءٍ عبثيٍّ مزَّق الأرض ثم تلاشى كالدخان. سألَ أحدُهما والمسافة تتسع وتكبر بينهما:

“هل تعتقد أن الناس سيتعلَّمون يومًا ما من هذا العداء العبثي،؟ أم أن هذه لعنةٌ سنُورِثها للأجيال؟

أجابَ أحدهما محدّقًا في الأفق:
“لا أدري… لعلّنا نحن تعلّمنا، ولكن ماذا عن الأخرين الذين لم يروا الحرب؛ ولم يولدوا بعد”  

ابتعدا الرجلين في اتجاهَين متعاكسين دون كلمةٍ وداع، تاركين خلفهما ظلَّيهما يتمددان على الرصيف كخيطَين من دمٍ جافٍّ، ويتلاشيان شيئا فشيئا، وبينهما كان ثمة سؤال ظل معلقا:  

كم مرّةً يجب أن نموت لندرك أننا لا نموت إلا مرة واحدة، وأننا لا نعيش إلا مرّةً واحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading