القصة القصيرة

جُنُونُ العَقْل – د. صبري غانم

599315277 881180951535946 4853321491041554110 n

قالَ الرجلُ الأوّل، وهو يعبثُ بحصاةٍ صغيرةٍ تحتَ قدميه، ويرمقُ الغروبَ:

— نادِ على هذا المجنون… لعلَّ جنونَه يُسلّينا حتى يفتحَ بابَ السماءِ بالأذان.

قالَ الثاني، وقد شدَّ عباءتَه حولَ صدره ونظرَ حوله بحذر:

— دَعْه، فالحديثُ مع العقلاءِ أأمن.

ابتسمَ الأوّل:

— بل ناديه، فالمجنونُ أصدقُ حين يتكلّم.

اقتربا منه.

الرجلُ جالسٌ على تخومِ العالم؛

أصابِعُه ترسمُ دوائرَ في التراب.

جسدُه هنا، وروحُه تسبحُ في الملكوت.

قالَ الأوّل، بنبرةٍ فيها شيءٌ من السخرية:

— قُلْ لنا، ما سببُ جنونِك؟

راهنّا أنَّ المرأةَ هي مفتاحُ التيه.

ابتسمَ وقال:

— من ربطَ عنقَه بحبلٍ، صارَ الطريقُ هو الذي يقودُه، لا قدماه.

— ماذا تقصد؟

— آدمُ لم يهبطْ لأنَّه أخطأ، بل لأنَّه أحبّ.

وحين أحبَّ، اشتاق،

وحين اشتاق، صارَ القلبُ أثقلَ من الجنّة.

قالَ الأوّل، وقد خفَّ ضحكُه:

— إذن، المرأةُ ليستِ السبب؟

أجابَ المجنون، وهو يمرّرُ كفَّه على لحيته البيضاء:

— كانتِ المرأة، وكانَ الجمالُ قناعًا لسرٍّ أعمق،

وكانَ الرجلُ يبحثُ عن وجهِه فيها… فلمّا رآه، سمّوه جنونًا.

ضحك الأوّل ضحكةً قصيرة:

— الحبُّ سرقةٌ للعقلِ إذن!

سكتَ المجنونُ لحظةً، نظرَ إلى الأفق، ثم قال:

— العقلُ لا يُسرق…

العقلُ يُتركُ عندَ العتبة.

من أرادَ الدخولَ، خلعَ رأسَه كما يخلعُ نعليه.

ابتلعَ الثاني ريقَه:

— أتقصدُ أنَّ الحبَّ تهوّر؟

قالَ المجنونُ بهدوء:

— العقلُ سور، والقلبُ نافذة.

من قضى عمرَه يحرسُ السور،

مات… دونَ أن يرى السماء.

سادَ صمتٌ قصير.

الأذانُ لم يحنْ بعد، لكنَّ الضوءَ بدأ يبهت.

قالَ الثاني، بصوتٍ مكسورٍ قليلًا:

— إذن… السلامةُ في ألّا نحب؟

أغمضَ المجنونُ عينيه:

— أن تعيشَ بلا صوت، بلا ارتجاف،

بلا تلك اللحظةِ التي تشعرُ فيها أنّك خُلِقتَ الآن.

قالَ الرجلُ الأوّل، وهو يراقبُ الشمسَ تميلُ نحو المغيب:

— ما بالكَ تحدّقُ في الفراغ هكذا؟ كأنّك تنتظرُ وعدًا لا يأتي.

رفعَ المجنونُ رأسَه ببطء، وابتسمَ ابتسامةَ من يعرفُ الخسارةَ قبلَ أن تقع:

— الحبُّ ليس وعدًا، يا سيّدي…

لو كانَ وعدًا لصدق،

ولو كانَ خلاصًا لنجونا.

الحبُّ انكشاف.

قالَ الرجلُ الثاني، وقد شدَّ عباءتَه يحتمي من ريحٍ خفيّة:

— الناسُ تحبُّ لتنجو.

ضحك المجنونُ ضحكةً خافتة، كخشخشةِ ورقٍ يابس:

— من أحبَّ ليحتمي، لم يحبّ.

الحبُّ لا يبني سقفًا، بل يخلعُ الجدران.

حين تحبّ، تتعرّى الروح،

تدخلُ النورَ ولا تسألُ عمّا سيأخذُه منك.

سكتَ الرجلان لحظة.

الضوءُ ينسحبُ ببطء، والسماءُ تصغي.

قالَ الأوّل:

— ومن لا يحبّ؟

أجابَ المجنون، وهو يرسمُ دائرةً في التراب بإصبعه:

— يعيشُ سليمًا كالحجر، صامتًا كالقبر.

لا ينكسر… لكنّه لا يُزهر.

اقتربَ الرجلُ الأوّل خطوةً، وسأله كمن يخشى الجواب:

— وما نهايةُ الحب؟

انحنى المجنونُ، وهمسَ، كمن يودّعُ نفسَه:

— أن تفنى في من تحبّ.

في تلك اللحظة،

ارتفعَ الأذان.

توقّفَ الزمنُ لحظةً بين السماءِ والأرض.

نظرَ الرجلان إلى بعضِهما، ولمّا التفتا إليه،

كان قد عادَ يرسمُ دوائرَه في التراب،

كأن كلُّ شيء… قد قيل،

وكأن شيء… لم يُقل.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading