القصة القصيرة

يَدها – هاجرمصطفى

امرأة ترتدي حجابًا أسود، تجلس في مكان مغلق، يبدو عليها التفكير والاهتمام.

 حَمّلتني أمي الحقيبة و أرسلتني لمصر لألحق بالجامعة ، ودعت أبي و أخي الأصغر بالرياض …و عدت لأتقاسم الوحدة و الغربة مع أخي الأكبر… سنتقاسمها … ففي أيام أجازته من الكلية العسكرية سأكون في المخيم  ..و قبيل عودتي تنتهي أجازته .. نتقاسم الأيام لتسلية الشقة ..

وحيد بالمنزل … و خارجه …

الحي مقتسم ، نصف لنا نحن سكان الأبراج ، و نصف بعد الشارع المنقسم لاتجاهين به المنازل القديمة و السكن الشعبي ، سكان الأبراج يقبعون في أمتارهم المحدودة ، سكان المنازل يبغضوننا …

 العطل الصيفية التي نقضيها بالأسكندرية … تجعلني أكره الشقة أكثر ، و يضيع معظمها في تفسير الكلمات ..

يقول أبي ” متى نبقى ولا نرحل عن الوطن يا سلوى ….و أقول متى أعود للوطن يا أمي  ؟

يقول أخي : و أنت في الغربة يا أبي  …

أقول : أنا في غربتي …

تقول أمي : اشتقت لطفولتي و ذكرياتي ..

أقول و أنا في شقة أجهلها و شارع ينكرني … يا لذكرياتي و طفولتي ..

لكن أنتظر تلك العطل …

انتهى التخييم العلمي مساء الخميس ، صممت على السفر ليلا وحدي لأصل البيت صباح الجمعة  …يوم كامل أقتنصه من الغربة و الوحدة و أقضيه مع أخي بالضحك و الكلام و ننسى الطعام ، جوعنا لن تشبعه اللقيمات …

 دققت جرس الشقة ، طالعني وجهها ، سمراء صافية ، نعم ذاك السمار الذي يشبه الخمر التي لم أكن أدرك لونها أو مذاقها … كيف أحسستها كالخمر و أنا ما ذقت المشبه و لا المشبه به …. جهلي بسحرهما قد يكون وجه الشبه !!

هل هذا التشبيه فاسد ؟

لا أعلم لست من معلمي البلاغة فأنا جغرافي لعين …

مدت يدها ، سَلّمت ، تسمرت مكاني حتى جاء أخي ، ظن أني غاضب ، قاطعت تبريراته العبثية بسؤالي الأهم ” يدها طرية ، أليس لدى الفتيات عظام ؟ “

ابتسم : ” نعم … اكتشفت ذلك “

تعمدت كبت فضولي ،  مَنَعْتُني من التفكير في سمراء أخي ، لكن شهوة اللحم الطري لم تغادرني ، بعد سفره بحثت عن يد تعوض يدي ما فقدت ، بعد أسبوعين التقيت ” نهيل ” تشبهني …والدتها و طفولتها ووالدها في ليبيا … و معها علمت عن الكائنات الجميلة أكثر من كونهن خاليات من العظام ، إنهن دافئات في الشتاء … جسدهن بارد في الصيف …نسيت بهن الأيام و تَعَدّلت بهن الفصول و كثيرا ما عثرت على المعاني التائهة بهن ….

لماذا أتذكر كل هذا الآن ، هل موت زوجتي أعاد لي ذاكرتي النسائية ، هل قرار الرجوع لمصر أعاد لي أبي و الوطن … هل ذاك الحزن الدفين بعيني أخي ما يذكرني دوما بيد أبحث عنها و جسد يشتهيه .

” تمت “

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading