رامية الرمح – رأفت عبد الستار

كان التنافس على أشده فى الأولمبياد; فالفوز
بمنصة التتويج ليس مجدا شخصيا وحسب ;
لكنه حلم وطن يحمله صاحبه على ظهره طول الوقت ..وكانت ماريا ابنه الخامسة والعشرين عاما تنظر للمنصة على انها هدفها الذي تسعي إليه ;وتحارب بشراسة من أجله كما حاربت سرطان العظام الذي أخذ ينخر بجسدها ;ولكنها بعزيمتها وصبرها إستطاعت أن تقهر هذا المرض
وتواصل حلمها كلاعبة العاب قوى حتى وصلت للاولمبياد وكلها أمل أن تحقق حلمها بالفوز; كما فازت على ذلك السرطان; إلى أن جاء موعد التصفيات النهائيه وعيناها لاتفارقان حلم الصعود للمنصة ; وكان الصراع عنيفا بين المتنافسين; واخيرا صعدت ماريا لمنصة التتويج
لتفور بالفضية بين صيحات الإعجاب والتقدير.
في بيتها لم يتوقف رنين هاتفها لحظة ؛لذا قامت بإغلاقه واكتفت بالتهنئة عبر صفحتها
على الفيس بوك…وكانت ماريا تشاهد التليفزيون وهو يعرض مقتطفات عنها؛وهي على المنصة وكانت فرحة ماريا بالانتصار كبيرة؛وفرحة
الوطن اكبر…وظلت ماريا تعانق فضيتها لا ولاتفارقها أبدا.
فى صباح اليوم الخامس كانت ماريا تحتسي
مشروبها المفضل؛ وتطالع الاخبار عبر اللاب توب فانقلب حالها فجأة؛ وتحولت حالة الفرح لحزن فارتدت ملابسها على عجل ؛وانطلقت إلى الخارج وهى لاتدرى وجهتها إلى أين.؟؟
وفى صباح اليوم التالي؛ فوجيء الناس بخبر
غريب عنوانه ماريا تعرض فضيتها للبيع بالمزاد العلني؛ وانقلب حال الناس من الاعجاب بها إلى السخط عليها باعتبارها إنسانة مادية لأن القيمة الحقيقية للميدالية اكبر من أن تقاس بالمال.
وكانت ماريا تختبيء عن عيون الفضوليين وتتحاشى أن تلتقى عيناها بأعينهم .
وقفت ماريا أمام باب بعدأن تأكدت أنه العنوان الصحيح ؛ورنت الجرس؛ فاستقبلتها امرأة وعلى وجهها علامة تعجب ؛ فعرفتها ماريا بنفسها
واستاذنت الحديث معها وزوجها ؛فاذنت لها
واستقبلتهاوهى تنادى زوجها ؛ولفت نظر ماريا
الحالة الماديه الضعيفة للأسرة والتى يعكسها شكل الأثاث ؛والأجهزة المتواضع.
وبينما كان الزوج يهم لسؤالها من تكون؛ رأى صورتها في التليفزيون فى أكثر من موضع لها؛
فقال الزوجين بصوت واحد :
_معذرة لأننا لم نستطع التعرف عليك!!
قالت ماريا وهي تمنع الحرج عنهما:
_العاب القوى ليس لها شعبية كرة القدم أو التنس ..لذا لايبدو وجهي مألوفا لكما ولغيركم..
قال الزوج بحماس : زيارتك لنا شرف عظيم .
قالت ماريا:
_كيف حال صغيركما الآن؟
قال الزوج متعجبا:
__كيف عرفت بأمره.!!
قالت ماريا:
_من خلال عرضكما لمشكلته الصحية بالنت أنه يحتاج لنقل قلب سريعا.
قالت الزوجة بأسي:
_ العملية تحتاج مبلغا كبيرا جدا لايمكنا تدبيره باي حال من الأحوال.
قالت ماريا:
_هذا صحيح ولكن ليس مستحيلا..
همت ماريا بالوقوف وطلبت القاء نظرة على الصغير؛ واتبعتهماحتى غرفته ؛وانحنت على مهده ووضعت هدية قد أحضرتها له وانصرفت وعلى وجه الزوجين سعادةو فرحة كبيرة لاتوصف.
نامت ماريا ليلتها وصورة الرضيع لاتفارق خيالها أبدا وهو يمد كفه الصغير إليها كأنه يستنجد بها؛
ومر وقت طويل استيقظت فيه ماريا على. طرق بالباب ففتحته ؛فظهر رجل يبدو من هيئته
علامات الثراء والوجاهة الاجتماعية؛ فاستقبلته بوجه بشوش وطلب الحديث معها فى امرهام
فسمحت له وهى تسأله عن الأمر الهام الذي جاء من أجله ؛فقال بحماس شديد:
_شرف كبير وعظيم أن أتعرف عليك سيدتي.
وقبل أن تهم بالكلام واصل حديثه قائلا:
_من يعطى كل مايملك لغيره دون سابق معرفه إلا الإنسانية فى أجمل صورها ؛يجعلنى اخجل
من نفسي وأتضاءل.
اعتلى.وجهها الدهشة؛ وقبل أن تنطق قال فيما يشبه الاعتذار:
_أى انسان اناني أنا الذي سرقت حلمك بالمال …اي عمل حقير قمت به!!
قالت بتأثر لترفع عنه الحرج:
_لاذنب لك، أنا من عرضت الفضية للبيع…وأنت اشتريت؛ لما تعذب نفسك وتلومها بهذا القدر.
قال بحزن شديد:
_فعلتي هذا من أجل إنقاذ رضيع يحتاج لنقل قلب….لذا أشعر بالضآلةو احتقر نفسي.
قالت كأنها تريد إنهاء المقابلة:
_اشكرك على مشاعرك النبيلة. ارجو الاتحزن.
قال برجاء شديد:
_حزني سيزول في حالة واحدة فقط.
ثم انحني.وهو يمد يده إليها؛
_أن اعيد الفضية إليك عن طيب خاطر….بما انك قدمت كل ما لديك؛ اسمحي لي أن اقدم بعضا مما لدي.
وترك الميدالية الفضيه وانصرف…وعقلها لايستوعب ما حدث .
(انتهت لكن الإنسانية لن تنتهي أبدا…عن قصة
حقيقية لرامية الرمح البولندية ماريا اندريجيسك الفائزة بفضية اولمبياد طوكيو)





