مرفأ الانهيار✍️حسين بن قرين درمشاكي-ليبيا

في مقهىً قديمٍ تفوح منه رائحة البنّ المحروق، جلس يراقب العالم كأنه فيلمٌ صامت. الوجوه تمرّ أمامه كصورٍ فوتوغرافية بلا معنى. أيامه متشابهة، باهتة كرَمادٍ استقرّ على روحٍ مُتَهَدِّمة.
ثم جاءت. لم يكن هناك أي شيء لافت في دخولها، لكن شيئاً ما اختلف في المكان. لم تكن عيناها جميلتين فحسب، بل كانتا فضاءً كاملاً من اللغات التي لم يفهمها من قبل. لغةٌ تتحدث عن قصصٍ لم تُروَ، وعن أغانٍ لم تُسمَع.
توالت اللقاءات. تغيرت نظرته إلى العالم. كان ينظر إلى شروخه وعيوبه. إلى تلك الشقوق في روحه التي لطالما حاول إخفاءها. استحالت نقاط قوة في عينيه هو نفسه. في نظراتها، كان يرى نفسه لأول مرة، كما يجب أن يكون وليس كما كان.
ذات ليلة، بينما كانا يتأملان سكون الليل، قال لها بصوتٍ خافت: “أشعر وكأنني أغرق”.
ابتسمت بهدوء وقالت: “الغرق هو الطريق الوحيد للنجاة يا صديقي”.
تداعت جدران روحه التي بناها لسنوات. لم يعد يخشى السقوط. صار يعدو نحوه. كان سقوطًا نحو النجاة. نحو اكتشاف ذاته الحقيقية المنزوية في أعماق قلبه. في بحر العشق، وجد مرساه. لم يبحث عن مرفأ آمن.





