الجاسوس – محمد فتحي السباعي

كان علي العطفي يحب الضوء، يحب أن يُرى.
منذ صغره في حي شبرا، كان يشعر أنه خُلق لشيء أكبر من أن يكون “صبي بقال”.
في المساء، كان يقف أمام المرايا اللامعة في محلات الزمالك، يتخيل اسمه على لافتة كبيرة:
“الدكتور علي العطفي – مدلك الملوك والرؤساء”.
وبالفعل، بدأ طريقه بالتدليك الطبي.
لمع في الصالونات، وفتحت له الأبواب المغلقة.
لم يكن وسيمًا، لكنه كان يعرف كيف يتكلم — وكيف يلمس موضع الألم في الجسد… وفي
في أحد أيام عام 1963، بينما كان يعمل في نادي الجزيرة، جاءه رجل غريب الملامح، أنيق أكثر مما ينبغي، عيناه لا تبتسمان.
قال له بهدوء:
“عندنا ناس في الخارج محتاجين واحد زيك… ذكي، شاطر، وإيده خفيفة.”
ضحك علي وقال:
“يعني شغل سفر؟”
رد الرجل بابتسامة مائلة:
“سفر… ومجد. هتتعرف على ناس بيحكموا العالم.”
كانت الجملة كافية لتشعل النار في قلبه.
وفي لحظة، دون أن يدرك، مدّ يده للشيطان.
سافر علي إلى أمستردام بحجة حضور دورة تدليك.
لكن في أحد المقاهي الصغيرة، جلس أمام رجل يدعى إيلي بيرجمان، ضابط بالموساد الإسرائيلي.
تحدثا طويلًا عن المال، الشهرة، والسياسة.
وفي نهاية اللقاء، قال له إيلي:
“إنت مش مجرد مدلك، إنت مفتاح باب ما بيتفتحش إلا مرة كل قرن.”
ضحك علي وقال:
“وإنت المفتاح التاني.”
ومن تلك اللحظة، صار عميلاً رسميًا للموساد.
عاد إلى القاهرة محمّلًا بالنقود، وبالثقة الزائفة.
فتح مركزًا للعلاج الطبيعي في الزمالك، ثم في المهندسين، وصار أشهر مدلك في العاصمة.
كان يدخل بيوت الوزراء، والمسؤولين، ورجال المخابرات أنفسهم.
حتى جاء اليوم الذي طلبوه فيه من القصر الجمهوري لعلاج الرئيس أنور السادات من ألم في العنق.
هناك، لمس كتف الرئيس، وسمع منه ما لا يُقال في نشرات الأخبار.
ومن تلك الجلسات، بدأ ينقل المعلومات إلى الموساد عبر قنواته في السفارة الإسرائيلية.
لم يرَ نفسه خائنًا، بل “رجلًا يفهم كيف يسير التاريخ”.
قال لصديقه ذات مرة:
“اللي يعرف سر الزعيم، يبقى شريك في حكم البلد.”
لكن داخل المخابرات، كان هناك رجل لا ينام — العميد محمد نسيم، الملقب بالذئب الأسمر.
رصد تحركات غريبة حول السفارة الإسرائيلية، ولاحظ زيارات متكررة لوجه مألوف.
شيئًا فشيئًا، بدأت خيوط الشك تتجمع حول العطفي.
وفي يومٍ، داهمت المخابرات شقته.
وجدوا أجهزة لاسلكي، ومبالغ بالدولار، وأوراقًا مشفرة.
لكن نسيم لم يظهر إلا بعد أيام، عندما قرر أن يواجهه بنفسه.
فتح العطفي الباب، فوجد نسيم واقفًا أمامه، بملامحه الصارمة.
قال علي بارتباك:
“أنا هكلم الرئيس فورًا!”
فأجابه نسيم ببرود:
“مش ضروري… هو عارف إننا هنا.”
ثم أخرج من جيبه صورة.
كانت صورة علي جالسًا في حديقة بأمستردام مع “إيلي بيرجمان”.
سقط الفنجان من يده، وتحطم على الأرض.
في تلك اللحظة، انهار كل شيء.
همس بصوتٍ مبحوح:
“كنت ناوي أتوب… السبت الجاي كنت هبطّل.”
ابتسم نسيم ابتسامة مرة:
“الشيطان ما بيسيبش اللي باع له نفسه. بس يمكن دلوقتي هو اللي زهق منك.”
في السجن، كتب العطفي اعترافًا من ألف صفحة.
اعترف بكل ما فعله، وبكل من قابله.
لم يعد يتكلم عن المال أو المجد.
صار يتكلم عن الراحة، عن النوم بلا كوابيس.
وعندما صدر الحكم بالإعدام، لم يبكِ.
بل طلب ورقة وقلم، وكتب عليها:
“قولوا لمحمد نسيم… أنا أخيرًا ارتحت. يمكن الشيطان خلاص ملّ مني.”
وفي صباح التنفيذ، وقف بثباتٍ عجيب.
ابتسم للحارس وقال:
“هتلعبوا الموسيقى بعدين؟”
رد الحارس بصوتٍ مكسور:
“مفيش موسيقى هنا يا علي.”
ضحك وقال:
“يبقى يمكن أسمعها هناك… في الجحيم.”
تحرك المقعد من تحته، وانطفأ الضوء.
هكذا انتهت حياة رجلٍ باع وطنه بحفنة دولارات.
كان يمكن أن يصبح طبيبًا مشهورًا، أو رجل أعمال، أو حتى رمزًا للنجاح…
لكنه اختار الطريق الذي يبدأ بالمجد وينتهي بالمشنقة.
وفي ممرات المخابرات المصرية، ما زال اسم “العطفي” يُذكر كتحذير:
“كل من يبيع الوطن، يشتري حبلًا جديدًا حول عنقه.”





