📰 آخر الأخبار
منتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق~غدير حميدان الزبون - فلسطينرسالة خاصّة ~ روضة بوسليميمن رباعيات الخيام / إدوارد فيتزجيرالد-ترجمة سالم الياس مدالو
منتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنانأَسْماؤُنا خُيُوطٌ / بثينة هرماسيأبي / فدوى الزيانيخراب.. يحتله الصدى~ مالكة حبرشيد- المغربعطل في البرمجة ~~أمين الساطيبريسيلا فان فالكنبرج  .. كرونك : قصيدة هايبون معاصرة ~ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالشاي لأصحاب البصيرة والقهوة لمن ضلّ الطريق~غدير حميدان الزبون - فلسطينرسالة خاصّة ~ روضة بوسليميمن رباعيات الخيام / إدوارد فيتزجيرالد-ترجمة سالم الياس مدالو

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

سنونو مقهى فوكيت – سميرة بولمية

A woman with long brown hair, wearing glasses and a pink scarf, smiling at the camera.

كسرتني ” صوفينيا ” في نفق الأسئلة المظلم، فانكسرت أجنحة عصافير الفرح التي كانت تحج إلى صفصافة وجهي، وأعناق مرايا السماء التي كانت تعانق بجعات أحلامي كل صباح، ومفاتيح مملكة الذكريات التي كنا نأوي إليها كلما هبت علينا عواصف الخلافات ..
فاجأني إعصارها كما يفاجئ الوحش المفترس فريسته الضعيفة ..
تمنطقت بحزام الليل الحالك، وغطت صحراء ملامحها القاحلة بقناع السيافين ..
كانت أسرع من خيول الدروج، أخرجت تنانين الشحناء من أحراش أحقادها ولم تتردد في قطع الحبال التي تشد برج رأسي بأعمدة بدني، وفي إضرام نار خداعها في خريطة وجداني، ورمي تاريخ مملكة اسمي في محرقة الانتقام.
هويت كما يهوي الشهاب من عليائه، وانطفأ ضياء نجم الحياة بعروقي كما ينطفئ بريق مجده، واستسلمت روحي الجريحة في كهف الوحدة لصلاة خاشعة على سجادة رمادي، وكل همي ألا ينفضح أمري .. وألا يرى أحد ما فعله بي رصاص بنادق الغدر !! ..
حالي .. كحال غربال بالي .. يهزني هزيز ريح الغلول، ويهرسني حجر رحى الندامة ..
لم ترحمني ” صوفينيا “، لم ترحم الطفل الصغير الذي كان يعود إلى عشها آخر المساء محملا بسلال كمثرى الحنين و الاشتياق، وبرسائل التوليب الزهرية و الصفراء، ولم ترحم أناملي التي كانت تفتش عن آثار فرستها الصهباء في غياهب المجافاة والهجران، ولم ترحم طول انتظاري لها في سرادقات الرجاء، ولم ترحم تغاريد ” اللاتينو فيشر” و ” الوايت بلو ” و ” الأسبليت ” الذهبي و الأبيض .. ، ورنين جلاجل الأنين في أفنية قصائد الهزيع الأخير.
كنت عائدا من محنة أفول فرقد أمي، الذي كان يتلألأ كلؤلؤة بيضاء في سماء حياتي، أمي التي جردها قراصنة الزهامير من تاجها وصولجانها وكنوز إمبراطورية ذاكرتها، وأسرتها في سرداب مهجور، فأنستها جنيات التيهاء صليل سيوف البطولة وهي تتقادح بين قبضات حروف اسمي المتينة، وأريج ياسمين الفرح المنبعث من شرفات أيامنا الجميلة، ومواويل مروج الحناء في مواسم أعراسنا البهية، وكلمة السر بيننا (( ياروح ” تالايتماس ” )) .
واتسعت هوة الصمت بيننا، فاختنقت فراشات الود التي كانت تشدنا بخيوطها الحريرية إلى فسحة الصفح والنسيان، وضاقت أنفاس سوسنات الأعذار التي ورطها سكين الشرخ في مناوشاتنا القاتمة، واشتدت آجة الخلافات بيننا وكأننا عدوين حاقدين على الشمس التي مازالت تشرق في سماء حرب باردة، و لم ننتبه إلى مركبنا الذي كان يغرق في بحر أنانيتها المفرطة، وسلطت علي كلاب أسوار الغموض التي كانت تحوط بساتين نظراتها الباهتة، فضاقت عصافير صبري من بحة التلجلج و الحيرة وهي تذبح شياه كلماتها المتقطعة ..
على غير عادتها، نسيت ” صوفينيا ” درج مكتبها مفتوحا، هناك قوة خفية تدخلت فأزاحت الستارة عن النفق العجيب المؤدي إلى مخدع أسرارها، وفي أغلب الأحيان نكون بحاجة إلى تفسير مقنع لما يحدث حولنا ومعنا .. يجيب على أسئلتنا الكبيرة .. ويقرأ الحقيقة المنقوشة بلغة غريبة على جداريات فضولنا والتي تتفنن في تمزيق شغفنا إلى إرب صغيرة .. فهل كنت أستحق أن أكون مجرد تمثال من حجر في حديقتها المتجمدة ؟، ألهذه الدرجة أعمى إعصار العشق عروق بصيرتها فلم تعد ترى إلا مقعدها في ماخرة النجاة، ولم تعد تسمع إلا ضربات قلب ” فرانز شوبرت ” وهو يعزف على أوتار أشواق ” سرينادة ” لحنه الغرامي، ولم أعد مهجة صباحاتها و نرجس لياليها !! .
وصفتني ” صوفينيا ” كما يصف الغريق نهايته الحزينة.
ووصفت القنطرة المؤدية إلى مدينتنا بقنطرة الجحيم ..
ووصفت تفاحة حبنا وكأنها تصف امرأة واهنة أكلت من الثمرة الآثمة.. تاه منها غزال غلواء الشباب في غابة التجاعيد المقفرة، فكانت عقوبتها العيش في حضن وحش الوحدة تحت سقف كوخ خريف الفناء .
” صوفينيا ” الجاحدة تنكرت لعرش كرز الصبوة الذي كانت تتربع صهوات عزه، ولمراجيح الفرح المعلقة في بهو حكايته المبرقشة بأزاهير الربيع، ولرقصات أناملي على حيف شهد اللهفة والحنين ..
هل كنت مجرد سمكة صغيرة تسكن بحيرة قلبها، ولن ينقلب حالها إن جرني قدر الرحيل بعيدا عنها وجردني من حق البقاء بها، ولن يعطش ماؤها في غيابي، ولن تذبل زنابق أصابعها إن مات هوائي، ولن تركض إلى حضن وسادتي إن تذكرت أنني مثل خيط دخان العناد من الصعب أن أعود إلى نفس المكان لأسجد لحطب الأهباء، كان لابد علي أن أكون حوتا عملاقا يصعب التخلص منه، يبتلع حضوره كل كبيرة وصغيرة تجول بخاطر البحيرة، ولا يترك مفاتيح أبوابه في يد رمل الفراغ، ولا يتسامح مع مسافات المستحيل، ولا يثق في متاهات الذكريات، ولا يتحالف مع مناويل الضوء، ولا يعول على علالي النسيم ..
لم تكن ” صوفينيا ” مصابة كما كانت تدعي بعلة النسيان، بل كانت تعاني من آلام لسعة نحل الولع والهيام، جربت على قلبي أقبح تجارب التجاهل، وحولتني من غيمة حرة تملك طول وعرض خيمة السماء، إلى طاحونة بلهاء مغروسة في خواء السأم، تتعارك مع ذباب الضجر ودبابير الملل وخفافيش الغم وأشباح الغسق، وترى سفينة الكون بحجم حبة فستق فاسدة !!.
فهل هناك أوصاف جاهزة لرجل أحمق أحنى رأس قوس شكيمته، وكنانة سهام أنفته لكذبة ملعونة تبهرج وجهها بمساحيق العار !! .
كم مرة نسيتني ” صوفينيا ” خارج مدينة ودادها .. وكم مرة جلست وحيدا في عراء الضياع على مقعد الشتاء أوزع قمح أسئلة المساء على طيور المطر، وكم مرة نسيت أني أحب قهوة الصباح ساخنة وبقطعة سكر، وأكره ارتداء بذلتي الرمادية في غير فصل الخريف، ولا أفتح كتاب نهاري إلا عندما أغلق كتاب أشهر اللوحات الفنية، ولا أسمح لأحد أن يفتش في أدراج خزائن حياتي، أو يتجسس على فتحات آهاتي وعلى معابر أوراقي، أو يدخل مكتبي ويشعل أباجورة التنين النحاسي في غيابي، نسيت” صوفينيا ” كم أنني لا أطيق رائحة احتراق زيت زيتونة الصبر، وركوب موجة بحر الغضب لتغيير قبلة نهر اللقاء، واستغلال سذاجة أجراس الصمت لتضليل غيوم الكلام !!
وصلت متأخرا إلى مطارة الجواب، كجثة غريق بلغت ضفة الأمان بعدما بلعت أهوال البحر وهمومه و دموع عرائسه وخطايا أمواجه وقسوة الملح الطالعة من جلده، فهل ” صوفينيا ” الجنة التي أحرقتني بنارها الخضراء، أم أنها اللعنة السوداء التي مسختني إلى رجل يحمل على ظهره حدبة العار، يشار إلي بالبنان وكأنني أحد أبناء وردان، نزلت علي بهلة الجعلان التي راحت تدفع بأنفها النتن قوس اسمي المكسور لتلوثه بروثها وروث كائنات من نفس مستواها، لتصنع منه كرة تلهو بها حين يحل غول الظلام.
هل كان لقائنا به في متحف ” أورسيه ” بباريس مجرد صدفة ؟ ..
كنا متفقين على أن عبقرية الفنان الروسي ” فاسيلي كاندينسكي ” في استخدام الأشكال والرموز في لوحته ” التركيب 8 “، وعلى البريق العجيب المنبعث من ألوان لوحة الفنان الفرنسي ” بيير أوغست رينوار ” * رقص في مولان دولا غاليت *، فجأة نسيت إعجابها بـ ” فاسيلي ” و” رينوار “، وتعلقت كطفلة مشاكسة بميله الكبير لجاذبية ” جون الساخنة “، ولسر جمالها الفخم، وبراعة الرسام البريطاني الكلاسيكي ” فريدريك ليتون “، وكاد سعار الفضول يقتلني، ألهذه الدرجة سحرها اللون البرتقالي النابض بالحياة، والأزرق الناعم في الخلفية، أم تراها لم تعد تقوى على إخفاء إعجابها بأي شيء تلمسه أنامله الذهبية، وكل شيء تلتقطه عدسات عيونه العسلية ..
هل كانت مثله معجبة بالسكين الذي كان يذبح به نياق صبري، ومزهوة بخطيئتها مع ذئاب نظراته الجائعة ؟!..
وصرت مـتأكدا أن لقائهما لم يكن بمحض الصدفة كما أوهمتني !! ..
ولم يكن تمثال ” كيوبيد ” و” سايكي ” مجرد هدية غالية من صديقة لا أعرفها عائدة من روما، لقد اختار أفضل وأشهر الأعمال النحتية في العالم ليبلغها رسالته المسيئة لي وله ولها .. ، وعرف كيف يغرز في رخامية ظهري أزاميل ” أنطونيو كانوفا “، فتمزقت شرايين بركان غضبي، وتدفقت دماء رمادية أحرقت الحبال التي كانت تشد أوتاد خيمة جسدي ..
تائه في قفار وحدتي، كطائر كسير، قصوا فرحة جناحيه ليصنعوا من ذكريات ريشه وسادة دافئة لأميرة مدللة ..
يتحول البيت في غياب أغاني نسيمها إلى صحراء عارية، تتسلل أنفاق أفكاري القاتمة، تارة تتحجج بجلسات تعلم العزف على آلة الترومبيت، وتارة أخرى يروق لها تقليد رقصة هداهد أناملي في فسح البيكولو ، ومنافسة صهيل جياد حريتي في ساحات المبارزة بسيف الشيش !!..
وتطورت أحوالها الغريبة، فألفت عادات جديدة كانت تضاعف من حيرتي وتضعف همة حيلتي، كلما شممت عطرها، توجهت بنظري إلى مكان تواجد حقيقة يدها، وإلى المسافة الموحشة التي صارت تبعدني عنها، وتمنعني من الاقتراب منها .. وكلما أخرجت ” الفوتون ” الياباني من الدولاب، تصلني رسالتها الصامتة، وأتكهن أنها ستنام في الغرفة المجاورة، وعندما تريدني أن أشاركها أجواء الاحتراق بنار ” السرينادة ” أتوقع أنها ستتمنى أمنيات يصعب تحقيقها .. وستطلب مني أن أفتح لها بوابة الحديقة السرية .. وككل مرة تعلن انتصارها الباهر علي وعلى ” فرانز شوبرت ” و على ” لحنه الغرامي ” !! .
مع مرور عربات قطار الوقت تعبت خيول فضولي من ملاحقة غيوم شكوكي، وتعقب آثار رقط أسئلة علتي، فتغيرت ملامح قصتنا الطويلة، وانقلب حالنا وضاقت أعماق بحار الوله بنا وصرنا تحت رحمة حافة نهر اللامبالاة النحيلة !!.
كم تغير حال وجه الحياة في فصل خريف حكايتنا الحالكة..
أفل وهج كرز الشوق في حدائق شفتيها القرمزيتين، وتوقفت عصافير اللهفة عن الشدو في جنان فصولنا الأربعة، وجف عسل ساقية أحاديثنا، وانطفأت شموع لقاءاتنا، ويبس نور الصفاء في بحيرة نظراتها، وتجمدت واحة تقاسيمها، فاهتمجت زهور النقاء التي كانت ترفل في خمائل وجهها الطفولي ونبتت مكانها أعشاب داكنة، حلت عليها آفة حفار الساق والجذور الذي التهم تفاح نضارتها ورونقها، ورمان حسنها ووسامتها، وسرق منها أمتعة الربيع وغلالة الضوء الساحرة ..
كنت متحمسا لتعرية جدارية جرحي ومواجهة شياطين خصمي، ومعرفة ما يحدث خلف ظلال صفصافتي الغافلة، واستسلمت لوساويس أبالسة الشك.. يا لها من نهاية تعيسة لتلميذ القديس ” هنري ميلر ” و القديسة ” سوزان سونتاغ ” !!.
كنت أتوقع أن الشيء الوحيد الذي لا نكتفي منه أبدا هو الحب، وأنها ” أوديت ” ملكة البجع، وأنا الأمير ” سغفريد ” الذي أصابت قلبه بسهمها المصوب، منذ الوهلة الأولى التي وقع فيها بصري عليها، وأن أي أحد سيحلم بأن يـأخذها مني سأعتبره الساحر الشرير ” فون روتيان “، ويستحق نهاية الموت على يد سهمي القاتل الطالع من قبضة قوسي الغاضب .
بالغت في تقديس نظرتي إلى منازلها المحمولة على أكتاف غيوم الأحلام البيضاء، وأفرطت في بلوغ حجرات أسرارها عبر ذلك المنعرج الصعب ..
كأني كنت أضع نفسي في امتحان عسير، وعلي ألا أخيب ظن قرص شمس العناد..
اتكأت على عكاز ثقتي بصلابة تربة بنية جسدي، فجأة لمحتها تنهار من أعالي جبل الوجع، وكم آلمني ارتطام جمجمة أفكاري بصخور هاوية الانصياع، فتحولت إلى رجل من كلس تؤلمه شماتة الثقب الأسود الذي غير نظرتي لقافلة خيبتي الضالة في صحراء الحوائن ولنباح كلاب اللاجدوى ..
واستمرت في تفصيل أقنعة بيضاء لذئاب أكاذيبها الشرسة وفي تضليل أشرعة حاستي السادسة !! ..
انقلبت أحوالي وتحولت في نفق الليل المظلم إلى كائن رخو تسلطت عليه ثعابين السهاد الضخمة، فضيعت قوافل النعاس طريقها إلي، وحولتني أشباح بئر الوساوس إلى قطعة غضار طيعة في يد أصفاد أسئلة عتية ..، وإذا بقوة خفية تجبرني على النزول إلى هوة الريب وتذوق مرارة التردد واستنشاق نتانة السأم .
تأثرت كثيرا بصديقي “هنري” فصدقت بأن العالم / ليس سيئا / بل بريء براءة الذئب من دم نبي الله ” يوسف “، من كل التهم البغيضة التي توجه إليه بغير وجه حق، وأن الطريقة التي ننظر بها إليه هي/ الرديئة / والتي لا تخلو من التعسف و الذاتية، لكن ما أن انكسر الدرابزين المثبتين عند رؤوس درجات صبري، حتى صرت أنظر إلى المستقبل كنظرتي لمرآة زائغة !! .
كم تمنيت لو أنني لم ألتق بها.. وليتني بقيت وفيا لإحساسي القديم، أنني سنونو حر، يعشق الأغاني التي مزقت الخيط الرقيق الذي كان يربط أجنحة حريتي بأجنحة السرب ..
ما الذي تغير؟ ..
لم أخف على أحلامي أنني لم أثق يوما في جيوب جلابيب البحر، ولا في مجالس الرمل، ولم تغرني أغانيج عرائس اللؤلؤ المكنون، ولم تهزمني طلاسم كنوز الحنين، ولم أجزع من رنين جلاجل موج الأشجان في آذان أصداف الوداع، ولم أتكلم يوما اللغة التي تمجد قبضة مارد النسيان، ولم آكل سنابل صبري في هاجرة القيظ، ولم أكسر مزامير هجرات روحي في قفار الإبلاس والخذلان .
ليتني لم أتوقف عن جمع العالم في صور فوتوغرافية أعيد فيها تركيب الزوايا المعتمة ..
أنا التلميذ الغبي الذي لم يستوعب دروس معلمته ” سوزان سونتاغ ” ..
أنا الخائن الذي غدر بعهده لها ..
مازلت أركض في فراغ التيهاء مفزوعا من عجزي و قلة حيلتي، كتلك الطفلة الفيثنامية الجنوبية ” فان شي كيم فوك “، التي كانت تركض بأقصى سرعتها في اتجاه الكاميرا بعد أن تعرضت لقذيفة ” نابالم ” أمريكية، أحرقت ثيابها وجلدها ..
أنا أكثر ألما منها لأن من أطلقت علي قذيفة ” نابالم ” هي من كانت تضع الكالا البيضاء والزهرية والسوداء في مزهريات الشوق، لتزين بها شرفات قصر الأحلام .
و لن تكتمل فصول روايتي إلا بوجود المراسل الصحفي الأمريكي ” نك يوت ” لينشر صورتي في صدر الصفحة الأولى من صحيفة ” نيويورك تايمز “، و أنا عاريا من كل أوراق الأكاذيب التي كانت تستر شجرة جسدي الشاحبة، وسيتوج للمرة الثانية بجائزة الـ ” بوليتزر “، وسيكون لصورتي حظ أفضل صورة صحافية لعام الرمادة، وتأثيرها سيفوق تأثير مائة ساعة تلفزيونية في تحريض الرأي العالمي ضد جريمة إنسانية تدنى لها الأجبنة ! .
كنا نحلم بأن نعد الشراع ” لإيثاكا ” الجميلة، ولم أكن أعلم أن فهود المتاعب ستلاحق عربة أحلامنا التي بالغت خيول أخيلتها في تحديد معالم الخريطة المؤدية لكنوزها المدفونة بقلب هذه الجزيرة الأسطورية ..
وظننت أن جنون أطياف الصيف ستقربنا .. وأحاسيس هذا السفر الخرافي ستريح مراجيح أنفاسنا، وستقربنا من منابع أشواقنا القديمة، وأن همس كمنجات التوق طوال هذا الطريق الطويل سيعيدنا إلى حرارة اللقاء الأول!! .
كم علقت آمالا كبيرة على هذه الرحلة، وعلى الحكمة التي كنت سأظفر بها بهذا المكان الذي احتضن صرخة ميلاد ” أوديسيوس ” ملك ” إيثاكا ” الماكر، وصاحب فكرة الحصان الخشبي الذي تسبب في هزيمة الطرواديين .
فاجأتني عاصفة مرض غريب حطت بأجنحتها الداكنة على قلبي الواهي، كما فاجأ ” بوسيدون ” ” أوليس” بعقوبة الضياع في مجاهيل البحر عشر سنين لاقى فيها أهوالا كثيرة ، بسبب سمل عين العملاق ” بوليفيموس ” الوحيدة ..
أدركت من صقيع صمتها ، وطريقة جلوسها ، ومن رائحة التجاهل واللامبالاة في تصرفاتها ، ومن تبرم البرد في صحار يديها القاحلتين ، أن الشمعة التي أوقدتها في محراب فؤادي قد انطفأت ، وأني مثل رغوة صابون ساذجة أتبخر في مجاهل خواء رهيب ، وكل شيء من حولي بنيته بعرق محبتي وإخلاصي تهدم واستوى بلحية الأرض، وراحت كلاليب الرمل تنهش لحمي المتفحم، وتلهث في شغاف قلبي المتعفنة، وليس أمامي إلا أن أسند جسر جسدي المنهوك لحكمة نهر الحياة لعلي أستفيق من كبوتي !! ..
عضت براكين السعير رمان حديقة فؤادي فاشتعلت نيران الفتنة في قصب الظنون، ورفعتني جرافات همومي، ورمت بي لمجة سائغة لهراميس ملهوفة تزأر في مأسدة الظلماء .
أتعبني غياب ” صوفينيا “، وأثقل كاهل مشاعري شعور بائس أنني جندي ملغم مستعد لخوض غمار معركة النهاية، ونسف حصن ذاكرتي بذلك المكان الذي انكمش وتضاءل ولم يعد يسع حتى أجنحة نوارس أنفاسي، وحين توقفت حمائم قلبها عن زيارة حمائم قلبي، ابتعدت دندنات أكرينة صوتها عن حقول سمعي، وانقطع مطر رسائلها عن سقي شتول الرجاء العطشى بأرضي الحائرة، ولم أعد أعثر في الصباح على آثار حوافر فرستها الصهباء في برية لهفتني ..
لقد غيرت “صوفينيا ” موطن جنتها .. وغيرت قمر فارسها بشمعة صغيرة أشعلتها في حجرة الظلام..
اضمحل ظلي في غرفة العقاب وكأني رجل من غبار .. ولم تتردد أشباح هوسي من ذبح أوتار ربابة التأني بمبضع الشماتة، و هي تردد صدى همساتها الشبيهة بهمسات أقحوان يتغنج في شرفات العشاق.
كأني أسرفت في الشرب من كأس الهذيان !! ..
أحرقت جذوات حمى الريبة آخر ثمار فصل الثقة، فهل حان وقت تجريدها من تاج سيدة الدار، وهل صار من حقي عليها أن أصدق شهادة مرآة الحقيقة وأكذب شهادة مرآة الفؤاد ؟ .
للعاشق نهر من صفاء، ما أن تبرد نار العتاب حتى تغطس الحبيبة في مياهه المسالمة لتغسل وجهها الملطخ بأتربة عراك ديكة عنادها بديدان تفاح الملل ..
وللمدنف قلب مفروش بحرير المودة، وصدر ترتل في محاريبه صلوات الصبر، يتحمل دوران أجرام الأمزجة حول كوكب الأهواء، وتنهيدات الفصول الأربعة في شهقة المتيم .
كنت خائفا من أزيز رياح الوحدة، ومن قسوة سياط الندامة، ومن قهقهات خطاطيف الخواء في جوف الليل، ومن الأدخنة المتصاعدة من مداخن غفلتي، و من أذقان الهواجس الملتصقة بزجاج نوافذ هيبتي، و من ثرثرة ذكريات الفخار في مأتم المودة.
اختبأت في علية قلبي كما يختبئ الفأر من صاحب الدار حتى لا أسمع مواء هررة المرح وهي تلهو مع كتاكيت ركبتيه، وأطفأت قناديل نباهتي حتى لا أرى جنادب الرغبة وهي تحوم حولهما، وحتى لا أسمع صرصرة أشواقهما وهما في غمار ترنيمة الشغف !! .
كنت أظن أن من يحب تاريخ الوستارية وأزهارها الأرجوانية والزرقاء والبنفسجية والبيضاء، لا يكذب على مصابيح القلب المتوهجة، ومن يقطع تذكرة سفر ليرتوي من نهر ” جورج زامفير” وهو يؤدي بآلة ” البان فلوت ” معزوفته العظيمة ” الراعي الوحيد “، لا يذبح أوتار كمنجة الأشواق، ولا يدير بظهره لقمر النجاوى، و من يحفظ أشعار ” مارينا تسفيتاييفا ” : (( ياسنابل القمح الروسي )) و(( تقبلي انحنائي )) ، و(( خلف نافذتي )) ، و(( أعطيني يدك على مدى هذا العالم )) ، ومن يؤمن بأنه على بساط السمر يكتمل المعنى الكريستالي لجاذبية رمانة ليل الوداد، و من يشقى من أجل وضاءة قصيد مرهف يشعل في ديابيج الوله نيران رجل مغروم، لا يغدر بميثاق الوثاق المقدس، وبلذة الشهد في مغارة المطهر، و لا يشيد أبراج أحلامه فوق رميم المدينة التي قصمت أظهر أبعرة الصبر.
لم تتعب ” صوفينيا ” من حمل هوادج خطاياها وجر عربة طريقها الوعر، ولم يصعب عليها سرقة عقد النجوم من سمائي، وما أن غفي الفرقد حتى زينت به جيد أكاذيبها المتجعد، غير أنها لم تتمكن من خداع القمر الذي لم يبرح شرفات مدينة وجهي المهجورة، وظل حارسا وفيا لخيط الضوء المتصاعد من شمعة أمل منهكة تتصدر حجرة قلبي الباردة.
لم يكن يهمها إن مزقت شرشف تخت الصمت، أو غرزت سهام انتقامي في أفئدة ستائر الغسق، أو أفرغت جم غضبي في علب الدواء، أو صرخت في وجه بجعات الشمس، أو تعاركت مع أشرعة سفن الليل، أو لففت حول رقبتي حبل الموت، أو تطلعت إليها كما يتطلع الطفل الأخرس إلى حركات الأفعى المجلجلة.
كنت أشبهها بجنية الحمى التي كانت تزورني وهي تحمل بين يديها مجمرة الأوجاع، فترتعش لرؤيتها عصافير رويتي، وتتجمد ينابيع الماء بدمائي فور سماعها خجيج رياح حنجرتها .. وتستسلم إشارات هذياني لصعقة قسوتها، لتبدأ حفارة الآلام العملاقة في حفر أنفاقها بأراضي الجرح.
لم تهتم لحالتي، ولم تبذل أي جهد لانتشالي من جب الوحشة الذي ألقتني بين أنياب دياجيه رياح السقم، واستعملت كل مخالب دهائها لفتح صدفة حلمها، وعرفت كيف تستغل غروب شمس حضوري لتستولى على صدفة حلمي !! .
وعلى الرغم من الصعوبات التي اعترضت رحلتها إلا أنها تمكنت من تسلق جبل الضوء فتربعت على عرش الألق، وتوجت بتاج أميرة ” لوك كاجوال ” فذاع صيت/ البليزر / و / البنطلون / بنقشة / الكارو/ و الفستان / الميدي / القطني الذين استعانت في تصميم موديلاتهم بمجرات خيالها، ورصيد معرفتها ودرجات مهارتها.
يا حكايتنا البائسة .. !!
واسيت نفسي بمقولة السياسي البريطاني ” بروك جورج ” : (( مأساة الحياة ربما في آلا يحدث فيها أي شيء )) ، فقررت أن أتحمل ما حدث معي وما يحدث وما قد يحدث .. !!.
لم أكن أعلم أنني محدود الذكاء، سهل الاستغلال، وأن أول طعنة تلقيتها حين أوهمتني أن نجاحها هو نجاحي.. !!..
لم أطلع أحد من قبل على علاقاتي المتينة بالفنان ومؤلف قصص الأطفال ” ديك برونا “، وحدها ” صوفينيا ” كانت تعلم عمق إعجاب هذا الرجل الهولاندي بأعمالي الفوتوغرافية، وكان من الصعب إقناع ” ديك ” بالحديث عن أرنبته البرتقالية ” ميفي “، ذات الأذنين الطويلتين التي كتب عنها في أكثر من مئة كتاب.
ورحبت ” غارديان ” البريطانية بالمقابلة التي أجريتها مع هذا الطفل الكبير، ومنه تعلمت كيف أتحرر من كل القيود في مدارات / الجرافيكس / وكيف أحب الألوان الفاتحة جدا، و الحوار المدهش بين الأزرق و الأخضر و هما يحومان حول بعضهما البعض، وكيف أجد أنسب درجة من الأحمر و الأخضر والأصفر و الرمادي و البني التي صارت تعرف بـ ” ألوان برونا ” .
وكان من سابع المستحيلات أن يقبل ” ديك ” بفكرة إعادة رسم ” ميفي ” باللون الزهري ووضعها على علب طعام تلاميذ المدارس.
ولم أخيب ظنها ككل مرة .. عدت إليها محملا بكنز ” ميفي ” وبرسالة قصيرة من ” ديك “..
استمتعت كثيرا وهي تتسلق سلم ظهري حتى بلغت قمة برج الضوء ..
وكم تلذذا بطعم كمثرى النصر وهما يحاولان الإجابة على كل الأسئلة الموجهة إليهما على مرأى ومسمع ” ميفي ” الزهرية .. !!..
خارج قفص جرحي حاولت مرارا ترتيب خزانة الذكريات، أنا الذي تعبت من جلدات سياط أسئلة العقل والمنطق، ولم يكن بمقدور شتاء الصمت البارد الذي سكن مفاصلنا أن ينكر جلساتنا المتكررة تحت ظلال بيلسان عهدنا المقدس، ومبايعتنا لشعلة الحب المتقدة في معابد صدورنا، وحرصنا على صون ذلك الخيط الإسمنجوني الذي يربط روح الأقحوان بقلب شقائق النعمان، وأن لا معنى لرقصة القديسة دون زفرات جمرات القديس، و لا طعم لشهد الحياة دون صلصلة أجراس الفرحة في فراديس مقلتيها.
كنا سر الضحكة التي ترصع سقف السماء الثامنة بلآلئ البحار السبع، نصعد بأجنحتنا المبرقشة بسحر ألوان الخيال إلى ملكوت أحلامنا، تلوح لنا ” الزهرة ” بشالها الناري، وتسمعنا كمنجات ” فوبوس ” و ” ديموس ” أرق الألحان، ويعتذر المريخ منا بسبب وجهه الملطخ بدخان الحرائق، ويسلم علينا ” أورانوس” و هو يداعب أنفه الكبير المغطى بالجليد، ونهيم مع أشجان كينارة ” زحل ” المتوجة بإكليل الدهشة المرصع بماسات السبع حلقات ..
ما أن تغلغلت ” صوفينيا ” في غابته المسيجة بأسوجة الضباب حتى تسلحت بنبال الغش، وبترس التحايل، فتاهت مني كما يتيه الحمل الوديع في طلامس الصحراء، فتشت عنها طويلا في مجاهل جرحي حتى انكسرت مصابيح الأمل بصدري، وامتلأت بشعور غريب تفرق في دياجي شرايني كدود جشع التهم آخر ما تبقى في جرار الجلادة من تين الصبر ..
كلفني حبها حفر خنادق الشقاء في يهماء الجفاء، وجمع حبات رمال الضياع في أكف رياح الشراسة، والدوران حول مدارات ذكريات الغمم، وشرب دموع الحنظل في كؤوس النقمة.
و لم تكلفها جريمة قتلي الكثير من الجهد و التعب، ففي الوقت الذي خمدت روح جذوة الحياة بعروق أشرعتي، كانت منشغلة بغرس ياسمين عنفوانها في بساتين غزالها المليح !!.
من بإمكانه تحمل سماع عويل أحصنة جناني الجريحة في أبهاء معاقل الليل المنبوذة، وحشرجة عصافير قلبي المذبوحة بسكين الخداع وهي تتمرغ فوق رمال الظلام، و هجيج نيران الحسرة المشتعلة في قلب ملك سلبوه تاج عرشه وصولجان سلطانه في محرقة الانتقام ؟ !..
ومن سيقوى على مواجهة خنافس الغصص المعربدة في مدافن صدري، وتهشيم حدبة الهم المتسلطة على ظهر قارب عمري ؟ ! ..
لم يخطئ حدسي يوما ريح ” أريناس ” !! ..
وردة الطفولة البريئة التي عادت من رحلة غيابها الطويلة، لتبشر مدينة صبري بمكان ” تيناس “، المفتاح الذي انتظرت قطرات صيبه كما ينتظر الغريق لحظة الخلاص من دوامة الغرق، ولم تغير روحها البهية ثوبها المغزول بخيوط سحر ” توسمان “، أنا الذي تورطت في حب الياسمين الأبيض وكانت نهايتي على يد سيوف الأنانية، وانتهت ملحمة ذكرياتي في أغباش أجمات العداوة والكراهية ..
راحت تبخر حجرة صدري الضيقة ببخور ” ناتير “، زهور زيتونة الجدود الصبورة .. فعثرت على حزمة رسائل أحلامي المنسية، على جبينها لاحت أنوار ” تيثريت”، تلك النجمة الخرافية التي كانت تحدثني جدتي عنها قاهرة مسافات الفراق والخيط الفضي المؤدي إلى ضفة اللقاء ..
لعلها عادت من سفرها لتجمع أوراق ” تالاسين ” أوجاعي في سلال حكاياتي، ولتعصر سيلين لهفتي في غيمة قصيدة ” فيرموس ” على مرأى نصر ” تيهيا ” وخيبة عنب أنفاسي، ولتمسكني من كمنجة يدي المقطوعة الأوتار فتحلق بي على صهوة نغمتها اللازوردية إلى موطن ” تالا ” لتشرب شحارير جرحي من ينبوع تراتيلها، على أمل الشفاء من عضة مدية الغدر، لنبعث معا في مهد ” تيفاوين ” أولى أنوار بزوغ فجر البداية من أعالي جبل اليقين، فينسينا سحر بياض ” لإنتماين “، ثلج الخلاصد، وما صنعته بنا ضغائن سهام البهتان .
تنير لي ” أريناس ” شموع ” توناروز “، توسع سواعد الأمل الطريق المؤدي إلى عرائس ” تودرت “، كل شيء كما تخيلته، العربة من الكريستال، و العرائس من ذهب، يحملن فوق رؤوسهن طيور ذات أجنحة من سندس، تستقبلهن حارسات سرادقات ” تافوكت ” لتهبهن أحصنة من اللجين الخالص، وشيلان من الحرير المطرزة بخرز المرمر و اليشم والفيروزج، اعترفت ” لأريناس ” أنني ابن ” تازيري ” وتفاصيل فجيعتي منحوتة على جبينه المحوط بأسوار من ضياء صلاته في محراب الله، وأنني أنا من ملت قليلا بحروقي البليغة نحو جدع نخلة الحقيقة لأسكت أنين أوتاد خيمة جسدي المنهكة، ولأواجه أشباح الخوف التي استولت على سراديب تفكيري، ولأدرك عمق الهوة بيني وبين ما أريد .. وأن روحي تتخبط في دوامة لا قرار لها، تارة أشعر أنني نملة جبانة، لا أقوى على النظر إلى اللطخة السوداء التي تشوه نظرتي إلى مدائن الحياة، تارة أخرى تتقمصني روح فرس رخو العنان لا يملك إلا أن يكون رهن إشارة رغبات أحناشها ..
مازلت أنظر إليها بعين ذلك الطفل البريء الذي اكتشف أنها غيمة بيضاء ترتدي حلة من خيوط الذهب، وتزين جميرتها بالفيروزج المبطن برقة الياسمين والسوسن، وأحببتها أكثر حين شهدت لها نساء القبيلة بأنها أميرة ” تانيرت “، لجمالها الخلاب علاقة متينة بجمال الأرض في فصل المحبة، وبجمال السماء وهي تتمنطق بحزام نجوم الوضاءة في أعراس بنات نعش الكبرى، وكنت ألمح نسيم الصباح وهو يتودد إليها، والكل يعلم أنها ” ماتيا “، سيدة النساء المعجونة بصلصال الياقوت وماء المرجان، تفرك لؤلؤ الوماق في كفوف الأقحوان، وتبسط معنى غنج الغزلان في رقصة فراشة حول خاصرة زهرة أوركيد عاشقة !!.
جمعت ” أريناس ” ريش أجنحتي المبعثر فوق أسطح العناء، وبللت شفاه رمانة قلبي العطشانة بريق عسل تقواها، كقطرة ” تيموما ” ضمدت جراح بئر حنجرتي، واقتلعت كل أعشاب المرارة التي غمرت مزامير صوتي، ودثرتني بلحاف حنانها وحيائها، ” ماماس ” الحنونة، أخفت آثار سياط الدهر الموشومة على جدارية ظهري ببردة ” تافسوت “، نهرالربيع المقدس الذي جرف أوحال المشقة، ورمال وحصى الشدة، وطواحين الرياح الحطوم التي عصرت زيتونة ذاكرتي في أفواه غربان القحط حتى جفت ينابيع قلبي، وجحور النسيان التي لدغتني أفاعيها فأصبت بمس لعنة الخراب !! .
إنه فصل ” أريناس ” المخضب بعطر التوليب، ينعش أوتار عيدان مرابع وجداني، ويهز حبال أجراس أبراج المسرات، بين أساريرها وأسارير لويزيانا إيريس شبه كبير، وتربطها علاقة متينة بالنرجس جونكويل، تتسع أحداق البحر في مقلتيها، يتزمل جمالها بغلالة ” تيفان “، الخير الذي بدد سلطان خفافيش العتمة، تدندن في مغارة الرجل الوحيد نشيد طائر الجنة المتشبث بغصن شجرة الوعد القديم قدم نهر البراءة في رياض مهجتنا !! ..
أيقظني حفيف أجنحة قصيدتها من غفوة الموت، وغمرتني ألوان طيفها بأحاسيس ” داسين “، مشاعر أرجوانية تدفقت كالشلال الصاخب من قلب غزالة شاعرة، كادت أن تذيب الجليد الذي طمر حقول أبجدية بهجتي، وكاد حضورها البنفسجي ينتشل جثتي المتعفنة المرمية في عراء البلاء .. وكانت كلما تحركت أرض نوائبي و أوجاعي تهدهدها ببلاسم ” تانيلا ” ..
أي سر تخبئين يا زهرة السوسن ؟؟ ومن أي سحر صنعت هالة رونقك يا قزحية الماء ؟؟ ..
وأي قتيل هذا الذي سالت دمائه في معركة العناد، ولم يتفطن لغروب شمس الوداد ولم يعلم بموته الأخير إلا من طيور الذكريات ؟!..


ومن أين لك بكل هذا الذكاء الذي مكن أسراب فراشاتك البنفسجية من مواجهة جحافل ” صوفينيا ” التي استولت على آخر قلاعي، وتمكنت من نفي خيول عزتي وعزوتي إلى غياهب المنافي، وأعلنت موتي أمام ميمنة جيش الخيانة .. ، لأبعث في كنف زهرة الوضاءة والدهشة محوطا بميسرة الحظ، وقلب الصدق، وبعناية شرنقة أرجوانية مبطنة بدفء إبريسم حاكته مغازل ملاك يدعى ” أريناس ” .
ركب الشتاء عربته الباردة وراحت جياده الرمادية تشق طريقها وسط أنفاق صدري المسدودة..
أخرجت سنابل يدي الداكنة من جيب كفن الوهن ولوحت للجالسة بالقرب من سنونوات وحدتي بمنديل المطر المعطر بعبق العودة إلى ديار الحياة !! ..
تجملت ” أريناس ” بخلخال الصبر فخبأت داخل هودج حلمها كثبان فجيعتي وجبال وحشتي، ولم تبرح يهماء جرحي المحاصرة بصبار الفظاظة والمجافاة ..
تشبثت بحبال ساعديها كما يتشبث الغريق الكليل بطوف النجاة .. وانتبهت إلى الشبه الكبير بين تضاريس مجرة أمي وتضاريس نجمة ” أريناس ” ..
التقت الأرواح في ملكوت الألم .. فأعادتني ” أريناس ” وأنا محملا بحقيبة خطواتي المرعوبة إلى موطن البدء !! ..
و كما عودتني.. لا حياة مع أبارص اليأس ..
ولا سلطان لليل القنوط في حضرة شموع الأمل ..
ولا طعم لشهد الهناء في غياب تراتيل صلوات قديس الحب..

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة