سنونو مقهى فوكيت – سميرة بولمية
لأسباب كثيرة قبلت دخول قفص الطاعة دون أدنى تفكير في أن أعصي لها أمرا..
مثل طفل صغير يتفانى في إرضاء نجمة الأحلام المهووسة بعطر الكمال .. التي عودته كل مساء على النزول من عرش عليائها لتقص عليه حكايات مشوقة، تفتح شهيته للقفز من نافذة مركبة الحياة والارتماء في أحضان أمواج المغامرات العاتية ..
كنت في أمس الحاجة إلى مرآة جديدة تعكس طول صفصافة صبري، وعرض بحيرة فرحة قلبي، وعمق لهفة مزامير روحي ..
كنت أيضا بحاجة إلى الكثير من الجرأة والشجاعة للوقوف أمام كومة رماد خيبتي المذمومة، دون أن أشعر بالقرف والاشمئزاز والضيق و الرغبة في البكاء !! .
تغيرت كثيرااا..
تغيرت نظرتي لفكرة السفر القاتمة، و لحقيبة الترحال الداكنة، ولحزم ذكريات الغريب، ولمخاوف السنونو الوحيد، ولأسئلة الصمت الصدئة في خريف المرافئ الباردة، ولحياد المدن التي كنت أزورها وأنا أحمل على ظهري تابوتا مهترئا بداخله جثة متفسخة لرجل بائس ذبح بشفرة الخيانة من الوريد إلى الوريد !! .
حدثت معي أشياء كثيرة غريبة وعجيبة..
لم أعد أشعر بأنني من طين الأوجاع..
ولم تعد مدينة جسدي المنهكة تنام على قارعة طريق التعب..
وجلنار قلبي لم يعد يذبل في بساتين العشاق ..
وقيثارة روحي لم تعد تجهش بالبكاء في صدر دفوف الغسق ..
وعباءة ظلي الباهتة لم تعد تطيل النظر في أحذية الغرباء..
وطيور شجرة أفكاري لم تعد تدور حول فزاعة فصول الرجاء ..
ولم تعد أسوار صمتي تحجب عني ضياء بدر أغانيها ..
ولم يعد ينتظرني في دير الليل البارد مع صحيفة عثراته الشاحبة ..
ولم أعد أسمع نحيبه في بئر الذكريات ..
أشرقت مصابيح وجهي كشموس حطت رحالها بباحة ملامحي البربرية، فاستأنس هدير النهر الأخضر برقصة سنابل الوجد في حقول المحبة ..
بدأت ربوة وجداني تتعود على غياب ضباب حيرته الرمادية .. وأرجوحة أيامي بدأت تألف أفول نجم أهازيجه الغامضة !!..
من أجل من نحب تتحول لوحة ” القبلة المسروقة ” إلى أجمل لوحة تجسد الرومانسية السرية و اللحظات العاطفية الخاطفة، ويتحول ” جان – أونوريه فراكونار ” إلى لص نبيل قضى حياته ملكا على مجرة الألوان، وأن أفضل مكان لتوديع شعلة الحياة قرية ” روكا مادور ” المشيدة فوق الجبال والصخور الضخمة، وعندما يتعلق الأمر ” بعمود تراجان ” البديع، فلا أحد يستطيع أن ينكر أنها التحفة المعمارية التي لامثيل لها !! ، وأنه من السهل جمع أنظار العالم المتفرقة صوب مهرجان نهر الكتب الأكثر إثارة بـ ” تورنتو” بكندا..، وأغرب هجرة للأسماك هجرة أسماك ” المانتا ” بـ ” باجاني ” بالمكسيك، وأفضل مشهد للأمواج أمواج بحيرة ” ميشيغن ” المتجمدة، وأقرب شخصية كارتونية إلى القلب ” أستريكس ” رفقة صديقه ” أبوبليكس “، وأبشع كنيسة ” كنيسة العظام “، وأجمل معلم بمدينة إشبيلية في إسبانيا مئذنة ” الخيرالدة ” الشهيرة..
وحتى يشتد عود الذي بيننا لم يعد يوجد أي فرق بين طيور البفن الأطلسي، و طيور الطوقان الكبريتي ..
في قلبي محبة كبيرة للشاعرة الإيطالية ” ألدا ميريني ” ..
(( الألم :
هوة مظلمة، انفجار،
شرارة تحرك الماضي،
كاحلان يتحطمان
من فرط ركضي خلفك،
يا ألم ،أنت الأرنب البري الحي
الذي تعرفه يداي
منذ الطفولة ))
وفي قلبها إعجاب كبير بالشاعر البرتغالي ” فرناندو بيسو” : ((عزلتى ليست بحثا عن سعادة لا أملك روحا لتحقيقها، ولا عن طمأنينة لا يمتلكها أحد إلا عندما لا يفقدها أبدا، وإنما عن حلم، عن انطفاء، عن تنازل صغير)) .
من أجل السماء الزرقاء المبتهجة في مدينة عينيها، وافقتها الرأي أن أحسن فيلم دراما وجريمة “عقدة الشيطان “– Devil’s knot –، ودفنت في قلبي إعجابي الشديد بـ ” ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميزوري ” -–Three Billboards Outside Ebbing, Missouri ، وانحزت للرياضة القتالية ” هايكيدو” على حساب لعبة ” البولينج “، وزرنا بيت ” جوليت ” بفيرونا الذي يعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي نزولا عند رغبتها، وكم تمنيت زيارة منزل الرسام والحفار الإنجليزي ” وليام هوغارث “، صاحب الطاقة القوية الهائلة، والتأثير العاطفي، والشجاعة التصويرية والشعور المشرق، الذي أسرني في ثلاث روائع أبدع في رسمها : ” الكونتيسة بودوار “، ” فتاة الروبيان “، و سلسلته ” مراحل الوحشية الأربع ” التي تصور قصة خيالية لحياة ” توم نيرو ” ..
وأمام تاريخ ” آنا كارينينا ” سبق لساني لسانها، فهل كانت حقا أجمل جملة كتبها ” ليو تولستوي ” : (( .. كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة طريقتها الخاصة في التعاسة )) ، أظن أنني أقنعتها، وفي أغوار ذاكرتي المتعبة، ذاكرة ” رجال في الشمس ” لرجل برع في تصوير الجرح الفلسطيني، ” غسان كنفاني ” الذي نجح في كسر كل الحواجز ودخول مدينة قلبي دون جواز سفر، ومازلت مصرا على أن ” غسان ” هو العلامة الخاصة التي يصعب ترجمة معانيها العميقة : (( إنني لا أريد أن أكره أحداً، ليس بوسعي أن أفعل ذلك حتى لو أردت ! )) ..
ليتني مثله !!..
من أجل من نحب، لا حرج أن ننحاز إلى الموسلين على حساب البروكار الدمشقي، وإلى الكهرمان على حساب الجاد، جالب الحظ والسعادة !!..
وحتى وإن تعلق الأمر بأحاسيس زهرة الأوركيد و الورد و الياسمين و الباتشولي فإن عطر ” ايفوريا ” أرق من عطر “بلاك أوبيوم إيف سان لوران ” ..
ومن أجلها فقط أصبحت من عشاق صفائح الوافل بالنوتيلا، و المارشميلو بالمكسرات، والباستا والرافيولي، واللازنيا، ومن المدمنين على كوكتيل ” فيرجن بيناكولادا ” وشراب الاسفندان !! .
**********
في عيد ميلادها أهديتها شجيرة ” بونساي ” ذات قوام متموج من لب شجرة الأرز اليابانية ..
غريب أمرها .. هذه أول مرة لم تحلق معي عاليا كي تبلغ أبراج السماء التي كانت تفتح أبوابها اللؤلؤية لأقمار أمنياتنا وأحلامنا الإسمنجونية ..
كانت باردة كماسة ترصع تاج ملكة دفن مع صاحبته في مقبرة الملوك، ومنشغلة بملاحقة نقطة صغيرة تسبح في مجرة خيالها الحلزوني!! ..
مضت أعوام كثيرة وهي غارقة في بحار التفكير في حلة جديدة تبهج بها ملامح الشانزيليزيه، وتنير فوانيس طريقها الوعر!! ..
لقد تمكنت من تصميم ست نافورات مضيئة من كريستال السواروفسكي بسارية برونزية.
تضايقت من حساسيتي اللدغة ..
حاولت كثيرا ألا أبدي انزعاجي من لامبالاتها المفرطة، ومن غياب فراشات لهفتها في لقاءاتنا المتكررة، ومن انطفاء شموع الدفء في مكالماتها العابرة ..
من صفات الليل الغدر بكمشة الضوء المتهجدة في دير الروح ..
صرت أفر من شبابيك نظراته العابسة، ومن أسئلة حيرته المصفدة، ومن طريقة جلوسه على كرسي الأسى !! ..
جربت أن أمتحن باريس، فتجردت من ترسي وسيفي وتركت فرس قوتي رابضا في غرفتي المظلمة ..
كنت مجرد عابر سبيل لا يفهم لغة شوارع الغربة.. ولست الرجل الذي ستوقف من أجله باريس عقارب ساعتها الذهبية، وتنزل من أجله حمائم برج إيفيل لتمسح آثار تعابين التعب على مرآة وجهه المكسورة !! ..
بحثت في وجوه المارة عن رصيف صغير يضمني إلى صدره لأرتاح قليلا من مطاردة لقالق القلق المزعجة..
عدت إلى زاويتي العابقة بأريج زهور ليزانثس ومن جبيني يتصبب عرق الضجر ..
لم يرن جرس الموبايل .. ولم تصلني أية رسالة .. ولم أسمع صوت طرق عصافير حنينها لباب حديقة قلبي المهجورة ..
جربت ألا أجرب أي شيء ..
جلست وسط كومة رماد خيبتي القديمة وبقيت أنتظر ..
انتشر في سماء مشاعرنا دخان الفتور تسبب في ظهور بقع سوداء على طلعة نهر الذكريات، واختفاء وميض الصفاوة التي كانت تشع من رخامية جبينها، وفي اختناق رغبة شموع رجائي في الكلام، ورغبتها في الاعتذار ..
مسخنا مارد الصمت إلى طائرين نصف مذبوحين معلقين على حبل الاحتضار، تملأ حشرجتنا كؤوس صدى نهاية حكاية تبددت صفحاتها عند مفترق طريق الفراق !! .
روحي حزينة مثل حصان جريح يركض في برية التعب، بحثا عن نهاية تسكت غرغرة وحش الألم ..
تحولت إلى إنسان ضرير يجر عربة محملة بحطام طواحين العجز، وغبار ساحات الإخفاق وجماجم سنين العثرات، ولا يعرف في أي اتجاه يمضي !..
كان لابد من مواجهة أخيرة أسكت بها طقطقة جمرات الحسرات المتقدة بمواقد صدري..
كم كانت قريبة من وجدان الطبيعة، لهذا اخترت قرية ” جيفرني ” وبالتحديد حديقة الرسام ” كلود مونيه “، المكان الذي سيشهد على خروجنا من فردوس الحب مطأطئي الرأس كغريبين لم يسكرا من نبيذ الجوى ولم يرقصا على حرير الهوى، ولم يتذوقا كرز الشفاه القرمزية ، ورطتهما عفاريت العناد في حرق عهد الأوركيد المقدس !! .
كم أحببت طريقة تفكير هذا الرجل الذي أبدع في تشييد سرداق حياته داخل قلب روضة أسطورية تنبض بأحاسيس الدهشة والبهاء، وقد تحولت مع الزمن إلى مقصدا سياحيا عالميا ..
وكم أعجبت بجرأة ” مونيه ” الذي ترك كل شيء وراءه، وراهن على بداية جديدة شفافة رفقة النباتات النادرة والزنابق البيضاء ومياه جدول ” رو” والجسر الياباني وأشجار الصفصاف ..
كنت أظن أنني أملك كل مفاتيح قلعتها، ومجرتي على دراية بعدد النجوم التي تركض في مجرتها، وحديقتي تعرف كل أسماء الورود التي صارت طوع بنانها، وأنها الجنية التي صارت تعيش في قبو خيالي مع أشعاري وصوري وخرائط رحلاتي، وحقائب ذكرياتي، وأن أرواحنا تتكلم اللغة التي انحدرت من مصب نهر السكينة والصفاء ..
مشت عصافير قلبي خلف خيط حصى قلبها فاستسلمت منارة عقلي للضوء المنبعث من تراتيل أمانها، فآمنت برؤيتها الواضحة التي أخرجت دردارة جسدي من خندق الفراغ، ومزقت كفن الخريف الذي رسم لجثتي قبر نهايتها البائسة ..
لم أعد أعرف كيف أغلق باب قلعة الحياة وأشعل في ممر النهاية الضيق أنوار الظلام..
تفاصيل غريبة في عمق لوحة غامقة تزعج حواسي المتعبة ..
فهل حقا هي نفسها فراشة الفصل العجيب التي كانت تجمع في سلال المحبة تفاح الفرح، ودرر الشغف ؟؟ ..
وهل أفرطت في تصديق قصائد ودادها، حتى ظننت أنني سأعمر في ملكوت صبوتها كما تعمر الأرض في صبوة الكون..
لصنم الصمت رائحة كريهة لا أحبها..
وللحرير الأبيض وجه واحد لا يكذب ..
و الرجل الذي نجى من لدغة ثعبان الخيانة لا يمكنه أن يلدغ من جحر الخيبة مرتين !! ..
خنقني دخان اعترافها وتحولت حديقة ” مونيه ” فجأة إلى مقبرة ضيقة قتلت رغبتي الكبيرة في الصراخ !! ..
بلغت مبتغاها وصار معها المال الذي سيفتح لها كل بوابات رومانيا وسيعيد إليها ابنها المصاب بـ ” متلازمة داون ” !!..
تطلعت إلى سفينتها الراسية بميناء قرارها الأخير.. فلمحت حقيبة ذكرياتنا وظل عباءة الوصل الذي كان بيننا !!..
شعرت بـ ” مونيه ” يصفعني .. وبأزهار حديقته تلعنني .. ولم أفهم اللغة التي راحت تتكلم بها كلاليب أوجاعي ..
لم أفكر في الطريقة التي ذبحت بها رمانة قلبي.. ولا في الحريق المشتعل بمدينة روحي ..
لأول مرة فكرت في صحراء عقلي المقفرة ..
خفت أن ينتهي تاريخ بحاري، و مجد أسفاري، وحضارة أمصاري تحت أقدام أهوال زوبعة رملية !!..
فانطلقت أركض كسهم خرج من فاه قوس مجنونة.. ورحت أطارد أيايل هزائمي الراكضة في براري اللاجدوى، تاركا خلفي رماد امرأة حائرة لم أعد أعرفها، تجمع في شال نرجسيتها شظايا مرآتها المكسورة على مرأى زنابق حديقة ” مونيه ” الغارقة في سيل عارم من دموع حكايتنا الحزينة !! .
انتظرت من بركان جنوني ردات فعل كثيرة .. ولم أترك فهود عقلي وحيدة .. كنت أجلس معها بالساعات أراقب حركاتها و تصرفاتها..
لعله الصمت الذي يسبق العاصفة .. ولست مستعدا للدخول في حرب وشمت رياحها على جبيني وشم الخاسر الكبير ..
توقعت أن الألم الكبير.. يصنع النسيان الكبير !! ، وأنني حين سأسجن فراشات روحي داخل غيمة من الصوف الخشن سأجنب نفسي شقاء رؤية النجوم الحزينة وهي تتأرجح في مراجيح الملل، و التنصت على غيب قصائد ” سيلفيا بلات ” في حجرات الندامة، ومواجهة وحش الوحدة في شوارع الشانزليزيه الباردة .
ضجرت من ثرثرة نمل الهواجس المتطفلة على سكون وسادتي، ومن غليل جليد الأسى الذي شل عظام تختي، و من سماع ضربات قلب عصافير ربيعها في سرداب صدري المبطن بكسوة داكنة غزلتها أنوال خريف الأسى الموحش.
**********
التقت مواويل نظراتي المجروحة بخيوط العتمة المتعلقة بحواف مواويل نظراته المكسورة، فلمحت ظل رجل عائد من حرب شرسة خسر فيها أحصنة ذاكرته، وساق أمنياته، وأجنحة فينيق اليقين، والطريق إلى بساتين المردقوش والرمان، وتعويذة الحلقة المفقودة التي كانت تربط موطن هدوئه بجنان ماء الحنين، وبأدعية بردة الصبر وسجدة التراب ..
ضاع مني تاج عرش المعنى في فيافي اللامعنى، وضاعت مني سبل اللقاء بهذا القتيل الغريب ..
كأنه هبوة أودية الجفاء الجافة، لا معنى لشهيق وزفير أحجار ولائه المدفونة تحت رميم فنائها .. أوكأنه غماغم أشجار الرتابة الخاوية الوفاض التي ركعت لدود الفناء، لا معنى لتحية السماء لها كلما فتحت آهات الجرح شبابيك الصباح ..
لقد صدق حدسي، هو فعلا روح بيوت البرد المهجورة، لا معنى لسكوتها، ولقلق الشمس فوق قرميد سقفها، ولشكوك أقفال أبوابها، وكثرة نوم عقارب ساعاتها، وبكاء جدرانها !! ..
عانيت طويلا من وخز إبر الشك، و من لدغات عقرباء السهاد، واحترقت حقول صبري بنيران جحيم الهيجان، وسرعان ما استجابت السماء لدعائي، فدثرتني عصافير رحمتها بغيمة السكينة .
هدأ الثور الجريح المتألم في ظلمات قفار خيبتي، وتوقف عن رفس ذاكرة الفراش، ولم تتوقف قبرات أناملي عن سد شقوق جدران غرفة وجهي الشاحبة برماد الجرح !!..
ولم يتوقف ليل باريس عن وأد النجوم المتعلقة بحبال رقبته الطويلة، وحرق ضفائر عرائس القمر، وأساور نيازك الأمل في مقبس غضبي الدفين، وغلق كل الطرق المؤدية إلى جثة حبنا المرمية تحت أقدام نافورات الشانزيليزيه !! .
لم تعد رومانسية باريس قادرة على إسكات نحيب مشيتي وشهيق حذائي، أو إقناع غطرسة نمور الظلام، وهرهرة الرياح المراوغة، وأشباح طرقات وشوارع الذكريات المنصتة لموسيقى الشتاء، أنني لم أعد ذلك الرجل الذي كان يربي أسراب الفراش في حدائق أشعاره، ويسكب عطر جنونه في بحيرة الشغف، ويزرع على حواف حدائق الرخام أزهار الجريس و التوليب والنرجس، ويلف أقمار أماسي وجنتيها في إبريسم الشوق، وفي دفء دانتيل الفاونيا، لتبدأ حكاية أوتار كمان ضلعها مع أهازيج أوشام الرجل الأمازيغي المصاب بسهم الفراق الملعون !! .
لا أدري لماذا وهبتها بكل سهولة مفاتيح مدن ” سوزان سونتاغ “، وتركتها تجول وتصول في قلاع روحي التليدة، وسمحت لها بصعود أبراج رؤاي، والغوص في أعماق بحار أسراري الغريبة .
انتابني خوف رهيب حين تفقدت حديقة قلبي المحاصرة بأشواك قنافذ النكد .. وظلت عصافير خطاي تتعثر بذيل جبة ظل حسرتي الطويلة، وبذنوب أرضي البائرة، وبأعذار أسوجة الندامة ..
لم أكن أعلم أن الألم الكبير بحاجة إلى رجل مجنون لا يتردد في الضغط على الزناد لإخباء لهب الحياة بعروق من كان يظن أنه مثل القطار، لا ينتظر من لا ينتظره، ومثل الزمن لا يعود مرة أخرى إلى المكان الذي ضيع فيه ساعة السعادة، ومثل الجبال من الصعب على الرياح جرها إلى منحدر النهاية الوعر، ومثل شعاع ضوء لا يترك وحيدا !!.
أنا وحيد في جوف الليل البهيم أعانق طاولة نحيفة تستر تجاعيد جبينها المهموم بشرشف الظلام، وكأس يملؤه ” بوكوفسكي ” كلما أفرغته في فاه صحراء اللاجواب، وكرسي جلف يجلس على رؤوس أصابع قصيدة مجروحة كتبت أحرفها بأحمر شفاه نادلة قبرصية نسيت شال ابتسامتها معلقا على مشجب نظرات الصالة الكئيبة !! .
خيل لي أنني سمعت صوت انكسار رقبة سياج العتمة، تلفتت ورائي فأمعنت النظر في رمادي المبعثر على أرصفة النهاية الحزينة.. وفي غزلان برية وجهي الهائمة في غياهب الوحشة ..
لم أفعل شيئا لأوقف زحف تماسيح الخراب ..
وكنت الشاهد الصامت على حوادث كثيرة مؤلمة ذبحت غيوم الهواء الذي كان يجر سفينة رئتاي، وأغرقت أشرعة مدينتي البيضاء في قاع بحر الأهوال.
فقأت رماح رياح الأشجان عيون خيام خواطري، وراحت تلهو بأجراس جناني الواجمة، وبتفاحة قلبي الوجلة ..
تعثرت أقدام أنفاسي بظلال غابات الضجر فسقطت من يدي حكمة الياسمين ومزمار الحنين ..
غفوت قليلا في تخت الشتاء لأسكت نعيب أبوام الذاكرة ..
أيقظتني وشوشات عصافير الصمت المحلقة حول هالة ” مقهى فوكيت ” ، وتمتمات كمان ” موزارت ” في آذان ليالي الغياب، ورعشة اللقاء / المستحيل / في أوصال ” سيرينادا الريح “، وغرغرة رسائل الأقحوان في أكفان النسيان، ودمدمة طبول انتصار جيوش السواد على ملائكة البياض في هاجرة انكساري .
كنت دائما أقول .. لابد من وجود سرداب سري يقود خيول عربة روحي المتعبة إلى مدينة نفسي المسيجة بعريش السكينة، البعيدة عن ضوضاء مدن البشر القاحلة، وأن في أحد أدراج خزائن الزمان تسكن جنية جبارة تجيد ترويض تنانين الحيلة تنتظر إشارة من جمراتي المشتعلة تحت جلد رمادي لتخلص خطواتي من أغلال نظراته المهمومة، وتحرر قلعة ظهري من وصايا برنوسه الليلكي، وتغلق شبابيك صدري في وجه رائحة حضوره القوية، وفي وجه غموض نوايا حقيبة ذاكرته الكركمية، هو الذي مازال يعتقد أنه الثور الذي فتك به الماتادور في حلبة ” إدوارد مانيه ” الزيتية !! .
**********
من الصعب حمل هوادج ذاكرة الأوجاع و السير حافي القدمين في صحراء الوحدة وتحمل آلام سهام الندامة المغروزة في نياط قلبي..
كان علي أن أتعلم ” أن أحب نصف حب ” !! .. كي يسهل علي العودة من رحلة الموت إلى جزيرة الحياة ..
قد تريحني أرض الثلوج الساخنة شمال واحة الفرافرة غرب القاهرة.. وقد ينسيني رؤية درب التبانة وكوكب الزهرة أشجان رفع صخرة الآثام والصعود إلى قمة جبل العذاب..
وقد يريحني حنين دفين يجذبني إلى صوفية حقول اللافندر في بروفانس، حيث يعانق لون زهر الخزامى القرمزي زرقة السماء عند خط الأفق ..
أو قد يريحني كوب شاي من عصارة شجرة ” الأورش ” القاتلة !! ..
يا لله ..
لم أعد أعرف ماذا أريد ؟! ..
أطيل النظر إلى طائر الكاردينال هديتها لي أواخر تشرين الثاني، وأستغرب كمنجات قلبي المكسوة بكسوة الحزن السوداء التي لم تعد تستمتع بعذوبة عزفه في أول وآخر الصفير..
تذكرت كناري ” تميرادو” الإسباني الذي كنت أفتح له باب القفص وأتركه يلهو لساعات طويلة ببالونات الحرية في شرفة بيتها المزججة بالزجاج المعشق .. وهجس نبتة البوتس الخجولة، وأنس زهرة الجيسوفيلا النقية، و إكسورا الشقية !! .
تغرب شمس الحنين في فنجان قهوتي الباردة ..
لا شيء يحرك أغصان أشجار الملل المنسية في غابات فصل الصمت الذي راح يقلب ماضي أرضه البور بأظافره المعقوفة..
توسدت غيوم رأسي الرمادية المشدودة إلى مراجيح العدم، كي ينطفئ وهج همس ربابة أصابعها و يأفل بريق زنابق الملح والعسل في بساتين شفتيها، وحتى أبلغ أطول نهر يجتاح قارة الذاكرة .. نهر النسيان العظيم، لتباركني قبرات الكروب الهاربة من زنازين هواجر الفراق، ولتلعنني غربان وأبوام رمضاء المشقة والأرزاء !! .
**********
حذرتني ندوب جراحي القديمة من آثار ندبة عميقة محفورة على جبين بدر جمالها الحزين !! ..
كنت أظن أن بداخلي ” بايسون ” شرس يحارب بمفرده أساطيل شتاء القسوة والوحدة، تركع له ضباع الغربة، و لا تغريه أسود الظلام ..
تكدس ثلج المرارة في علية علتي، وضاق بؤبؤ الأعذار في عين يأسي، وانهمرت على خيام ليالي الحسرة الطويلة أهاليل السهاد المقيت ..
واكتشفت مع مرور الوقت أن الأشياء الجميلة التي كان ينتمي إليها برج كوني اهتمج وجهها وفقدت بريق عنفوانها واستسلمت لأكفان الفناء، ولم تعد ترغب في الدفاع عن سفائن وجودها بموانئ البقاء، وعن ضياء ندى الرواء في خمائل قلبها الذي تناثر في مدافن الحداد.
لا أحد دق باب مغارة غربتي ليطمئن على مرآة روحي التي كسرتها عرادة الغربة.. ولا أحد فكر في مواجهة مردة ليل باريس لفك أغلال عزلتي ..
قطعت كل أصابع لهفتي كي أنسى تفاصيل حكاية وجهها الخرافي، وكيف كانت تخبئ عليق البهجة في حقول شعرها الكستنائي وتعطر سرادقات المناجاة بشذى ” غلاديولا ” العشاق ..
لم تعد كؤوس إكسير النسيان قادرة على إخماد نيران الغضب المشتعلة بمدائن دماغي، ولم تعد لمخالب أغباش الوساوس أي سلطان على خطاطيف هذياني.
جرف طوفان الوحشة لجة جثتي، وأعلن انتصاره على رمحي المشلول، فسلمت في محفل انكساري نجاد بسالتي، وسيف جسارتي، وآخر نجمة كانت تزين طوق سمائي، وشاهدت خروج روحها من بوتقة روحي، ووقعت على خاتمة فصول حكايتنا بحبر الافتراق !!.
لفظت أمواج البحر التي كانت تلقن دلافين عنادي طقوس السباحة في مدارات المستحيل، وبعثرت غبار رسائلي في الاتجاهات الأربع..
تصالحت مع أسئلة الليل، واحتميت بصلجة ذكريات ذلك الرجل الذي كان يقشر جلد دماميل همومه في ردهة قلب ” أقولميم أفركان “، و يغسل جلابيب هواجسه في أكف بحيرة ” أكفادو” السوداء، على مرأى ومسمع السحلية العملاقة ” مرتادو”، ويستر تقاسيمه المتصحرة بأوراق أشجار الصنوبر الحلبي، و البري والنوميدي، ويسكت جوع عصافير صبابته بسحر الأرز الأطلسي، وتأنس قفار وحدته بسليل الأيائل البربرية، وبسكسكة المكاك الخرافي، وتنبش سنابك فضوله صمت أطلال ” آخام أوجهلي “، بحثا عن جذور أرضه الأولى، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه خيط الدخان الرفيع المنبعث من غليون حارس أسرار قرية ” مهاقة ” !!.
في منتصف غابة التعب ..
اختارت أقفاص جسدي النحيفة الجلوس في إحدى زوايا مقهى ” فوكيت ” بينما اختار مركب جرحي المكدود التسكع في أزقة ذاكرة ذلك الجندي المبتور الساق ..
مر قطار الأيام مسرعا غير مبالي بتنهيدات كمان قلبي المذبوح، ولم أتوقف عن مراقبة حركات النمل الأحمر عن كثب وهو يعبث بما تبقى في حديقة وجهي المهجورة، وفتح حقائب رماد صفصافة العمر في مهب رياح الشجن .. ، ولم تفارقني تلك الخواطر الغريبة أنني بطل رائعة ” أندريا بوتشيلي ” (( أوراق الخريف )) – les feuilles mortes – وأن محراب روحي تابوت حزين لكل تلك الأوراق الشاحبة المتساقطة بلطف شديد دون إحداث ضوضاء، وأني آخر عاشق قتله البحر بخنجر القسوة حين راح يمحو بسعف النسيان آثار ضحكات خطى العشاق المنفصلين المعتصمة بزفرات ذكريات الرمال !! .
لم يتمكن السنونو المهموم من فك سلاسل الملل التي تكبل جيد أنفاسه والخروج من نفق الندامة المكفهر ..
ظلت رائحة طين بيوت وشرفات ” غوفي ” عالقة بأوتار ربابة الحنين، وحجر صوتي في قاع وادي ” إيغزر أملال ” يسترق السمع لأخبار كبار عائلات وعشائر وقبائل القرى الست !! ، وظل بريق لآليء حيرتي يراقص همس ندى وفائي لحياء نخيل واحات خيالي، ويطوف بعمامات أنهار أهوائي في أماسي عطش الرمان ..
لم تتحمل أهازيج وشمي صمت هتافات ماء العفة وانفضاض زيتونة الانتماء، وذبول حقل أوشام جنيات ” الساورة ” على أكف ” تاغيت “، أنا الذي عثرت على قنديل روحي بسراديب هذه المدينة العجيبة التي تتسابق فيها خيول الليل أفراس النهار، كنت أهرول كالمجنون نحو حصن ” العرق ” لأستقبل شروق الشمس في هدوء وسكون، وأقرأ على مسامع حوريات وادي ” زوزفانة ” قصائد ” جوزيبي او تغارين ” و” ألقونسو غاتو ”
**********
طوى الكون ستائر الخريف القرمزية، فشرعت سواعد الشتاء شبابيك يناير المطلة على حدائق البرد والمطر ..
تجللت بحكمة رفيق حرائقي ” شمس التبريزي ” فأدركت بأن زنزانة فجائعي ليست سياج وأسوار، بل فكرة مظلمة محوطة ببراثن ضباع الآلام، ولحظات مسننة تذبح في باحات دمي زنابق الصفاء وحمائم الأمان ، ووجوه قاحلة تفوح منها رائحة الغدر !! .
رحت أجمع في قفف أحزاني رقاقات الثلج المتساقطة فوق جبين ذلك الصباح الرمادي، وعصافير ذكرياتي تدندن مع ” هاوزر ” مقطوعته الرهيبة ” أداجيو” .
تذكرت متاهة منزل ” تراكوير ” الأكبر في اسكتلندا، ووجه الشبه بيني وبين أشجارها التي عانت من شتاء قاسي أتى على ثلاثي منها ..
ولم أفعل شيئا نافعا لأغير قدر فراشات أمنياتي، التي نزلت من برج الهباء لتشاركني آلام وخز إبر الانتظار المر كما كنت أتوقع..
افترس وحش العتمة آخر شعاع ضوء كان يجر سرب طيور أنفاسي بعيدا عن طلاسم زوابع النقم فغمر طوفان الوحدة مدينتي المشيدة على حافة اليأس !! .
كذبت علي زنابق الحنين الجاثمة على قبر جرحي، وكذبت على قبرات حدسي، وعلى قطلب الكلام في غابات لساني حين سمعت نحيب أحرف اسمي الطالعة من حنجرة ناي مثقوب من كل الجهات .. ولم أحرك صخرة رأسي المرمية فوق حدبة ظهري، غير أن عطر زيت الباتشولي أيقظ نارها الهاجعة تحت جلد أرمدة خيبتي !! ..
وقفت مذعورا وكأنني مصاب بمس من الجن، وأمسكت برقبة موجة غضب عاتية، وحمت حول ركام أشلائي، كمركب موهون عبثت رياح ماكرة بسواعد مجدافيه وبسارية شراعه، ولم تعد بحوزته بوصلة النجاة التي كانت تقوده صوب ميناء الخلاص..
أفل نجم النضارة الذي كان يشع في سماء مدينة ” صوفينيا “، وغربت شمس الربيع التي كانت تجود بسحر ضيائها على عرش هيبتها المرصع بفيروزج القوة والعجرفة، ولم يبق من عز الملكة المهزومة سوى زمردتين تقاومان غارات الزمان من خلف أسوار قلعتي عينيها الخضراوين .
دمر زلزال الأنانية قصر الدر المكنون المشيد بأعماق بحيرة الشغف، والسلالم المؤدية إلى مقصورات القمر التي كانت تشعل فتيل الدهشة في حدائق الوجدان، وعش النجوم، وأماني الشموع، ومجد هسيس رعشة المبتغى وشهقة أغاني زهور النار البيضاء ..
لم يتبق في صدري سوى غمد الكراهية وسيف الانتقام ..
ولم يتبق منها سوى جسد بارد يدور في مدار الخطايا والآثام ..
أنا القتيل الذي لم ينس تفاصيل وجه قاتله..
وهي القاتلة التي كانت تدق مسامير قسوتها الحادة في جدران مخلية جرحي.. ،
وكم مرة سجنت أنفاسي في قفص ضيق كي يختنق جمل الصبرفي صدري ..
وكم مرة قلت هذه آخر مرة ..
لكنها في كل مرة كانت تراوغني كطفلة تجيد اللعب بجدائل أفراح قوس قزح.. تعدني بتوبتها .. فأصدقها .. ثم تعيد الكرة .. وبعصا عصيانها تكسر جرة الطاعة / المرة / ..
وكم مرة سحقتني عجلات قاطرة الكربة ..
وكم مرة رمتني بسهام ولعي ..
وكم مرة أغواني شيطان سحرها اللعين المعشعش بمغارة مكرها ..
وكم مرة صدقت رسائل أقحوان نظراتها التي أوقعتني فريسة إبليس قيظها ..
أنا اليوم أحفورة جميلة ونادرة ترجع إلى فصيلة انقرضت على سطح الأرض
وتاريخ ميلادي يعود إلى العصر الذي صدقت فيه أكذوبتها الكبيرة..
فهل أستحق الماس الثمين المتساقط من شلالات دموعها ؟
وكيف سأفسر لها ما آلت إليه خزائن الغريب وأن الأمر لم يعد يستحق أية مجازفة !!
وأنني لم أعد أتقن حرفة تحنيط الجثث.. وحفر قبورعميقة في مدافن النسيان ..
لأنني ببساطة هشمت قبب ضباب الغفلة وسلمت قيصر عقلي مفاتيح مملكة قلبي ..
ولم يكن من السهل علي حمل سر ” صوفينيا ” الثقيل على قارب ظهري المكسور وعبور محيط الأوجاع ..
حاولت أن أهرب .. لكنها كانت أسرع من بجعات البرق التي كثيرا ما أظهرت لباريس ميلها الشديد للأسود الذي ترتديه السماء كلما رقص الشتاء معهن رقصة التانغو العارية، عادت إلي وهي تمسك بيد طفلة صغيرة يمرح في مروج محياها المشرق سرب من شوادن الفرح ..
أخبرتني أن اسمها ” أليسيا “، وان اقتربت منها أكثر سأشم فيها عطر زهور ملامحها الناعمة ..
ابتعدت قليلا من دائرة لغز ” صوفينيا “، وتملكني رعب شديد حين رسمت الصغيرة بفرشاة هدوئها ابتسامة شفافة على حواف شفتيها الزهريتين ..
لم أجد أي فرق بين غيمتها البيضاء وغيمة أمي الاسمنجونية .. المرأة التي توسدت أشواك جرحي وتجرعت مرارة العلقم بسبب ما حل بي.. واعتزلت أوبرا الحياة وفاء لطفلها الذي سقط في قعر بئر الهموم العميق ! .
وسط أعشاب هذه الفوضى الكثيفة، حاولت أن أتغلب على مارد عجزي، وحاولت جياد تفكيري المتعبة جر عربة جسدي المنهارة..
وكأن هناك من أراد أن ينفخ أكثر في ناقور عاصفة روحي لتكتمل فصول تراجيديا هذا اليوم البائس ..
أبلغوني بأن سيدة تدعى ” كوليندا ” تسأل عني !! ..
لماذا فجأة حن الجحيم إلى خيمة منفاي الباردة، وحن زبانيته لرؤية نهر ذاكرة الرمال وهو يجهش بالبكاء في حضن دردارة العمر اليابسة ؟؟ .
اختلطت على الأمور .. ولم أعد أعرف كيف أتصرف!!..
هل أضم ذلك الغزال الشارد إلى جدران صدري المتصدعة وأركض نحو مطارة ” كوليندا” حتى أنقذ قارب قلبي المثقوب برصاص الغدر من نهاية الغرق في عمق دجنة الأسى ؟؟ .
من الصعب التنبؤ بالذي ينتظرني في آخر هذا النفق المظلم !!..
أنا الذي مازلت أرجم زهور الكالا بحجارة الندامة، وما تزال هداهيد ذاكرتي تصعد إلى شرفات الجرح لتبايع غجريات كبريائي المكسور وهن يرقصن رقصة القلب المذبوح .. !!
زحزح ” هاوزر ” صخرة رأسي بقبضة تشيلو العناد، فتحررت من أصفاد الدهشة التي كبلت أحصنة ردة فعلي، ولم أتحمل رؤية ” صوفينيا ” وهي مرمية كخرقة بالية فوق أتربة المجهول !! ..
وتضايقت أنفاسي المتقطعة من نظراتها المعبئة بسهام العتاب، و من رائحة الخداع المنبعثة من بحر حديثها الحالك، فذكرتها بنصيحة بحار لدغ مرتين من جحر امرأة مراوغة (( لا تدخل يدك في فم سمكة ” الهامور” ولو كانت ميتة )) !! .
ولم تتوقع ” كوليندا” أن تتحول حدائق ذلك العاشق المكروب إلى جزيرة ” هوكايدو”، حيث لا يمكن لثلج الهجر والغياب ولرمل الغفلة والنسيان أن يختلطوا مع بحر الصفح والغفران .
و لن يصعب على رجل مثلي فهم مضمار لعبة ” البولينج “، وأحرز لأكثر من مرة ” سترايك ” من المحاولة الأولى، و” تركي ” بعد ثلاثة ” سترايك ” على التوالي، أخذ القرار الصائب !! ..
اقتربت من ابنتي فلمحت نهر دمي الأبيض وهو يجري في عروق زنابقها الحمراء ..
تكلمنا قليلا بلغة الماء عن معنى الذي يحدث معنا ..
فهمت أنها لم تفهم سر الشبه الغريب بين النمش حول أنفها الصغير وأنفي الكبير .. لكنها عانقتني كما تعانق شمس الربيع أزهار الثلج !! ..
شعرت بدفء عجيب يتسلل جدران قلعة روحي الباردة.. هو نفسه ذلك الدفء الذي كان يدغدغ أوتار كنارة وجداني، حين كان حضن أمي يغمرني بأريج زهور فريسيا البرية المتبخترة في حقول جدائلها الذهبية ..
أدركت وأنا أحاول إصلاح ما أفسدته قسوة سنين البعد، أنه لم يعد بيني وبين أراضي القرار الصائب أية مسافة !! ..
خبأتها في حقيبة قلبي وركبنا معا نفس القطار، واستودعت شراع رحلتنا رياح الأقدار على أمل أن نلتقي في المكان الذي ستختاره لنا فراشات النقاء !! ..
ليتني أستطيع أن أصف لذة شهد الأبوة..
حقا الأمر يستحق ألف محاولة !! .
((تمت))



