القصة القصيرة

عبدالحفيظ – رافت عبدالستار

رسم توضيحي لوجه رجل مبتسم ذو شعر قصير ولحية خفيفة، يرتدي قميصاً فاتح اللون.

أخذ  عبدالحفيظ يقلب الراتب بين يديه وهو لايدرى كيف سيمضى به الشهر..؛بعدأن تخلى عن التدخين وقلص طلباته من البوفيه  لمشروب واحديوميا ؛ وألغى بندالشراء من المطعم..بسندويتشات يحضرها من المنزل؛ واستبدل الميكروباص بالسير على الاقدام؛بحجة انها الرياضه الوحيدة التى يمارسها؛ كما  تخلى عن شراء الجريده ؛واكتفى  باستعارتها من زملائه فى نهاية اليوم.

عبدالحفيظ متهم بالبخل ؛سواء من زملاءه اوزوجته ؛التى لاتكف عن اتهامه بالبخل  ليل نهار..بسبب اوبدون سبب.

وعبدالحفيظ.يتحمل كل هذه الاتهاماتبصبر لايتحمله بشر؛وكم من مرة ألقى براتبه بين يدي زوجته ؛لتدير الامور بنفسها؛ ولكنها كانت ترفض ؛وتذكره بأن الرجل هو المسئول عن الإنفاق؛ وتدبير احتياجات البيت ؛ورغم ان زوجته تعمل موظفة مثله؛ إلاأنها لاتشارك ولاتساهم معه في احتياجات المنزل الا بالقدراليسيرجدا ؛وكرامته تمنعه من طلب

معاونتها ؛طالما لم تفعل ذلك طواعية؛ على الرغم من طلباتها التى لا تنتهي؛ وتحميله فوق طاقته..؛وكم من مرة فكرعبدالحفيظ فى تطليقها ؛ولكن فى كل مرة يفكر فى اولاده؛ وكيف سيدفعون الثمن نتيجة لهذا؛والشواهد

 كثيرة من حوله.

كل الأسرتفرح بالعام الدراسى الجديد؛لأن هذا يعنى انتقال أولادهم لمرحلة أعلى،؛ ولكن عبدالحفيظ يرى أن عام دراسى جديد؛ يعنى عبء كبير جديد؛…مصاريف مدرسية ؛ كتب ولوازمها …ملابس جديدة؛شنط جديدة؛

 أبواب كثيرة لاتغلق أبدا ؛.والحقيقه أن عبد الحفيظ لايدخر جهدا لفتح باب رزق جديد؛  فهو يعمل بعيادة طبيب بعدانتهاء يومه بالعمل الحكومي ؛ورغم مشقة العمل في حجزمواعيد المرضى؛ بالاضافة لعمل ملف لكل مريض على حدة؛وترتيب هذه الملفات بشكل غاية فى الدقة،؛ للحصول على أى ملف حال الحاجة إليه.،؛اضف لهذا الوقت الطويل الذى يقضيه؛ والذى يتعدى منتصف الليل فى كثير من الأحيان؛ وبالرغم من العائدالكبير الذى تدره العيادة إلا أن الطبيب لايعطيه إلا مبلغ بسيط واعدا إياه بزيادة مستقبلية بعد الانتهاء من تشطيب فيلته الجديدة؛ التى اخذت ماأمامه ماوراءه على حدقوله.

 .

الضغوط على عبدالحفيظ من كل ناحية؛ زوجته الأنانية المحبة للذهب؛ حتى أصبح ذراعيها مثل فاترينة جواهرجى ؛لاتكف عن الطلبات والشكوى  ؛ولم تفكر يوما فى الاستغناء عن أى قطعة من ذهبها فى سبيل تخفيف الضغط عليه؛ بحجة أن الزمن غدار؛وماذا تفعل إذا طلقها زوجها الذى طفح كيله منها .؛..أى نوع من النساء تلك المرأه التى تجردت من مشاعرالامومة والمروءة..؛ وكيف انخدع بها طوال هذا الوقت..!!

الساعي لا يمل من نفس السؤال:

  -أى خدمات ياأستاذ عبد الحفيظ؟؟

ورغم اجابه عبدالحفيظ بعدم رغبته فى تناول اى شيء؛يعيدعليه نفس السؤال من وقت لآخر…؛.والحقيقة أن عبدالحفيظ رغم اتهامه بالبخل فهوعلى خلق ؛ويشهد له بالكفاءة ونظافة اليد؛وخبرته فى العمل تجعله صاحب الحلول السريعه لأي عقبة كانت؛ ونتيجة لهذا الإخلاص فهو يكلف بمزيد من العمل؛ وتحول اليه ملفات زملاءه حين يعجزون عن حلها؛ وذلك كله بدون عائدمادي يعوضه؛ وبينما كان عبد الحفيظ منشغلابدراسه الملف الذى امامه؛ وجد الساعى يخاطبه قائلا:

  – هناك من يسأل عنك ياأستاذ عبد الحفيظ.

  نظرعبدالحفيظ فوجد رجلا فيه وجاهة؛ وتظهر عليه علامات الثراء والفخامة؛…فسأله عبد الحفيظ :

  – خيرإن شاء الله.

 فاجابه الرجل :

  – جئت للسؤال عما تم بخصوص شركة  اللؤلؤه؟؟؟

   ثم جلس على الكرسى فى مواجهة عبد الحفيظ وقال قبل أن يأتيه الرد:

  – تعاونك معنا سيجلب لك الخير الكثير إن شاء الله.

ثم قدم ملف الشركه لعبد الحفيظ؛ وانسحب مستأذنا؛.بمجرد أن فتح عبدالحفيظ الملف أغلقه بسرعة شديدة وابتعد عنه كأنما لدغه عقرب…فالملف به عدة أوراق؛ وظرف به مبلغ ضخم من المال؛.  أخذعبدالحفيظ يرتعدكمن أصيب بحمى ؛وهو لايدري ماذا يفعل من هول المفاجأة ؛ ودس الملف فى حقيبته وانبرى  خارجا من المكان ؛فقد حان موعد الانصراف وكأن الرجل اختارالوقت الذي يشل فيه حركة عبد الحفيظ ويشتت انتباهه.

.

فى الطريق شعر عبد الحفيظ أنه يسير عاريا؛ وكل العيون ترصده من كل اتجاه ؛ فإضطر

 أن يغيرنمط يومه الذى ألزم به نفسه؛ ودس نفسه داخل أول ميكروباص مر عليه.

على غيرعادته أخفى عبد الحفيظ الحقيبة فى دولابه بين أغراضه؛ وأخذيدور فى الحجرةبلا توقف وقدشل تفكيره؛..هل يخبر زوجته بما حدث ويزيح عن كاهله الجبل الماكث فوقه ؛ولكنه تراجع؛ فهو يعرف ردها مسبقا(باب رزق وفتح لما نغلقه.. رزقك ورزق أولادك ساقه الله إليك!!!)…..وتذكر وعدالرجل له بأن التعاون معه سيجلب.له الخيرالكثير .

سرح عبد الحفيظ فجأه وقد تخيل أن جميع مشاكله مع زوجته قدانتهت ؛واصبحت عيشته اكثرراحة؛ ولم  يعدزملاؤه يتهمونه بالبخل.

وأصبح يذهب للعمل بالسيارة والساعي كلما رآه حمل الحقيبة عنه لكرمه الزائدمعه؛ وبينما   كان عبدالحفيظ فى غفلته جاءه صوت زوجته يدعوه لتناول الطعام.

على مائدة الطعام اكثرمن صنف على غير العادة؛ وكأن زوجته قد قرأت أفكاره وماجال بخاطره منذ قليل عن العيشة الهنية؛ولكنه لم يجدشهية للطعام ؛واستاذنهم بحجة أنه تناول الطعام مع زملاءه لانشغالهم بعمل كثير ؛وذهب لحجرته لحاجته للنوم  إلى أن ياتي موعد موعدعمله بالعيادة..

 الحجرة رغم اتساعها ؛يشعرأن حوائطها تقترب من بعضها لتجثم فوق صدره المثقل بالهم والحيرة

.. 

جلس على الكرسي؛ وقد عجزعن الخلود للنوم كعادته كل يوم قبل الذهاب للعيادة؛ واشتعل رأسه بالافكارالمحمومه؛  ولام نفسه بشدة كيف وقع فى براثن ذلك الرجل ؟؟وكيف استسلم للصمت وشلت حركته بمجردرؤية الظرف المنتفخ بالمال؛ولماذا لم يجري وراء الرجل ليعيد إليه الملف؛بأي حجة للتخلص من هذه الورطة؛وينهي هذه الحالة من التوتر والقلق؛وقال لنفسه ساخرا:

  –  أنت تغافل ضميرك ياعبدالحفيظ لتجد اى حجة لقبول هذه الرشوة.

 وترآءى له ظل المرحوم والده وهو بجانبه أشبه بالقزم.،؛.وصوت والده يوبخه :

  – يا خسارة ياعبدالحفيظ..أهذه وصيتي

  لك بأن يظل ظهرك مستقيما ويدك نظيفة؛ وظل صوت والده يترددحتى هزأركان الحجرة

 كأنه زلزال وعبدالحفيظ يلوم نفسه بشدة لأن  مجردقبول الملف هوقبول صريح للرشوة؛ ومغافلة ضميره بالتحجج بعدم اللحاق بالرجل؛ وشل حركته من  هول المفاجأة؛ وجاءه صوت زوجته متسائلا:

  -ألن تذهب الى العيادة اليوم؟؟؟

تعجب من مرورالوقت بسرعة وأنه لم يأخذ قسطا  من الراحة.

الوقت يعاندعبدالحفيظ .؛.عقارب ساعة الحائط أمامه تأبى أن تتحرك؛  إلاببطء وملل شديد.؛.وكأن الزمن توقف فجأة؛رغم أن  العيادة تعج بالمرضى؛ والدكتورلايتوقف عن طلباته الكثيرة.

تذكرعبدالحفيظ حقيبته التى أخفاها بدولابه بين اغراضه ؛وداخله شك أن زوجته ستبحث عنها لأنها ليست فى مكانها المعتاد؛وأنها لن تهدأ حتى تعرف مكانها،؛ والسرفى عدم تواجدها بنفس المكان ؛وتخيل فجأة لحظة

عثور زوجته على الحقيبة؛  وفرحتها لحظة رؤيتها الظرف المنتفخ بالمال الكثير؛وهي

ترقص من السعادة وقدصاحت بأعلى صوتها لتنادى أولادها ليشاركوها فرحتها؛ وهي

تعدهم بتلبية جميع طلباتهم؛ وبذلك تضيق الخناق على رقبته؛.وتمنعه من التراجع أو التردد؛وهنا انتفض عبدالحفيظ كمن لدغه عقرب؛ وترك المكان فجأه وقدماه تسابقان الريح ؛والمرضى تتساءل فى ذهول (إلى أين؟؟؟).

لايدرى عبدالحفيظ كيف قطع كل هذه المسافةحتى وصل إلى بيته أخيرا ؛وأخذ

قلبه ينبض بسرعة شديدة:حتى أوشك أن يخرج من مكانه؛ وحلقه قدجف والعرق قد تصبب من جبينه؛ وأخذيديرالمفتاح بيدمرتعشة وهويبحث فى الظلمة عن زرالنور ؛..وهدات نفسه قليلا عندما سمع شخيرزوجته المتواصل يعبرالصالة من خلال حجرة النوم التى دلف إليها مسرعا

وهويمديده داخل الدولاب؛ ليجدحقيبته فى نفس المكان؛ وهنا هدأت نفسه تماما؛

وندم على تركه للعياده بلا استئذان..

عبد الحفيظ يتعجل ظهور الصباح وأخذ يجاهدنفسه للحصول على النوم ؛ولكن رأسه الممتلئ بالمخاوف والتفكيرفيما حدث بيومه الطويل؛ حائل دون حصوله على ا لنوم؛ أو الراحة؛ وكلما غمض جفنه فزع من شخيرزوجته المتواصل أغلب الوقت؛ وهو

يتقلب في فراشه  يستغفرتارة؛ ويلكز زوجته بكوعه تارة أخرى؛ لتنوقف قليلا عن شخيرها المتواصل ؛إلى أن غلبه النوم رغما عنه.

أخيرا ظهرالصباح ؛وامتلا البيت بالحركة وعبدالحفيظ يتناول طعامه فى صمت ؛

والحديث المعادكل صباح عن مصاريف

المدارس؛ والأدوات المدرسية؛ والزى المدرسي و…و….و…و…و.وعبدالحفيظ يمضغ الطعام بصعوبة شديدة كأنه يمضغ قطعا من الطوب والزلط..وهو يهز رأسه ويرسم على وجهه

 ابتسامة بصعوبة؛ وأخذ حقيبته متجها إلى عمله ومن خلفه صوت زوجته تعيد على مسامعه نفس الطلبات التى لاتنتهى .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading