مقطع من روايتي همسات في السفر – ھدى حجاجي
في الصباح التالي بدا الهواء أخفّ وزنًا وأثقل معًا. لا أعرف كيف تفسّر هذه الازدواجية إلا قلوبٍ تتعلّم الوقوف على حبل رفيع بين الخوف والجرأة. دخلتُ الفصل وكأنّي أحمل على رأسي قبّة صمتٍ سميكة؛ نظراتٌ تلتصق بي، همساتٌ تمرّ كتيارات هواء باردة، وابتساماتٌ مزروعة كما تُزرع الأعواد في الأرض لتظل واقفةً رغم الريح.
استمريت في عملي بالإذاعة صباحًا؛ صوتي كان مأوىً لي، طريقةٍ أؤرّخ بها يومي دون أن أواجه مباشرًا وجوهًا قد تجرح. تمتمتُ بالمقدمة التي كتبتها عن الأخلاق، واختبأتُ خلف كلماتٍ لا ترى الجروح. بعد انتهاء الفقرة، ذهبت إلى مكاني، وجلستُ، وحدّقت في دفترٍ لم أكتب فيه منذ فترة. لكن في تلك اللحظة دخل الأستاذ قابيل إلى القاعة — لم يأتِ ليلقي درسًا فقط، بل ليمسح شيئًا ما في أجواء المدرسة كمن يمسح لوحة قذرة بقطعة قماش.
وقف في وسط الصف وقال: «أريد أن أذكركم أن المدرسة بيتكم الثاني، وأن الاحترام أساس كلّ علاقةٍ بيننا.» كانت جملته عامة، لكنها كانت كفيلة بأن تثير ردة فعل. همس أحدهم: «يعني إيه بالضبط؟» وضحك آخر كالذي ينفجر لتغطية قلّة فهمه. لم أنظر إليه؛ كنتُ أراقب وجوه البنات، أبحث عن بصيصٍ من الحقّ، عن من يجرؤ على أن يقول كلمة حقيقية.
خرجتُ من الصف بعد الحصة بلا إثارة، بلا دراما، لكن تلك الهروب المتكرر تحوّل إلى خطة صغيرة: لم أعد أهرب لأنني خائفة، بل لأنني أختبر ردة فعله، أراقب إن كان سيهزم صمتي أم ينهض أمامه.
في المكتبة، وجدت عبير تجلس إلى النافذة، تقرأ كتابًا وكأنها تريد أن تُميت وقود الكلام داخل صدرها. جلستُ بجانبها وتبادلنا نظرةٍ صامتة — نظرات لا تحتاج حبرًا. بعد دقائق قالت: «ما بينفعش كده، يا هالة. الصمت ساعات بيقوي الراجل، مش البنت.» قلت لها: «وأنتِ شايفة الحل إيه؟» أجابت وهي تخفض عينيها: «إما نواجه، وإما نفضح. بس فضيحة من غير دليل، بتكون ورقة تهب في مهب الريح.» هذه الكلمات جعلتني أعدل من موقفي؛ الحقيقة لا تُؤتى إلا بتحضيرٍ، لا تُحرقها نار الاندفاع.
ثم جاء اليوم الذي لم أكن أتوقّعه: نشأت شائعة عن أني أسعى لجذب الانتباه، وأنني — بكلماتهم — «متمادية». صارت الهمسات سلاحًا، والوجوه تتغيّر كما تتغير صور في شاشة مسرحية. رأيت أستاذة اللغة تسرّبت إلى أذني خبرًا أنها سمعت «تصريحات» من طالبات، لكن لا أحد كان يملك دليلاً. في لحظة شعرت بأنّي وحيدة كما لو أن البحر ضمّ شاطئًا واحدًا ونفى كل المراكب.
في المساء، حين عدتُ إلى البيت، وجدته — أبي — جالسًا في الحجرة، وجهه أصفر مثل ورقة قديمة. لم أقل شيئًا في البداية. هو لم يسأل مباشرة عن المدرسة؛ سأل عن طعام الغداء، عن درجاتي، عن أمورٍ تبدو عادية لكنها وكلتني مسؤوليات أكبر من سنّي. كانت عيناه تبحث عن شيء فيّ، لا أدري إن كان ذلك شيء هو الحقيق أم مجرد ظن. عندما همس: «كيف كانت المدرسة اليوم؟» شعرت بأنّ الأرض تحاول أن تبلعني. أخفيتُ الموضوع كما أخفيت مرّةً قبلها، لكن هذه المرة لم أشعر بالذنب نفسه؛ كان في صدري قرارٌ صغير يحاول أن يكبر: لن أترك الحديث يُسرق.
في اليوم التالي، بينما كنت أجهّز فقرات الإذاعة، سمعت خطواتٍ خلفي. التفت فإذا بالأستاذ فتحي واقفًا، يبتسم بابتسامةٍ لا تصل إلى عينيه. قال بصوتٍ منخفض: «أرى أنكِ تعملين جيدًا. لديكِ حسٌّ جميل للكلمة.» لم أرد. قلت في نفسي: هل هذه مجاملة أم فخ؟ لكنه أضاف فجأة: «لو احتجتِ إلى دعم في عرضٍ ما، أخبريني.» كانت كلماته بسيطة، لكن طيفها داخل قلبي لم يكن كذلك. شعرت بشيءٍ يتلوّن؛ لقد أصبحت الكلمات الآن أدوات — بعضها لرفع، وبعضها لسقوط.
قررت أن أغير قواعد اللعبة. في اليوم التالي، أعددت فقرة خاصة في الإذاعة عن «الحق والجرأة». كتبت فيها عن الأمانة والشجاعة في مواجهة الخطأ، عن أن المدرسة ليست مكانًا للهمسات التي تقتل الأخلاق، وأن لكلّ إنسان حقّ الكلام بلا خوف من التشويه. حين انتهيت، وجدت وجوهًا من حولي تتلقى ما قُلته كقطعة خبز في زمن جوع. عبير أمسكت بيدي تحت المنضدة، وابتسمت لأول مرة منذ أيام.
بعد الظهيرة، اجتمع بعض الطلاب في المكتبة. لم أكن أظن أن كلماتي الصغيرة ستنمو هكذا. حدّ ثانٍ من الأصوات بدأ يبرز: طالبات وشبان جاؤوا ليؤكدوا أن المدرسة ليست ساحة لتوجيه سهام الاتهام بلا دليل. تلك اللحظة شعرت بأنّ الوحدة تنقسم إلى شظايا صغيرة، وتصبح أقلّ حدّة.
لكن الثمن بدأ يظهر: شائعاتٌ أعمق، وهجماتٌ على سمعة البعض، ومحاولات لإلقاء اللوم على من يكشفون الحقيقة. تساءلتُ: هل سيكفّ هذا الدعم عن كونه شعاعًا يزهو للحظة ثم يختفي؟ أم سنبني له أساسًا ثابتًا؟ نظرتُ في وجوه الحاضرين ورأيت في كلٍّ منهم مرآةً لقلبي: هناك من يخاف، هناك من يتردّد، وهناك من يريد أن يصنع فرقًا.






