القصة القصيرة

ما تبقّى من الضوء- ھدى حجاجي أحمد

صورة لامرأة ترتدي حجابًا أبيض، تضع يدها على خدها، وتبتسم برقة، مع خلفية ملونة دافئة.

كان غيابكِ يرهقني لا كحدثٍ طارئ، بل كعادةٍ يومية، كوجعٍ يعرف طريقه إلى القلب دون استئذان. لم أكن أفتقدكِ بصخب، بل بصمتٍ ثقيل، صمتٍ يجعل الأشياء من حولي تفقد ملامحها تدريجياً، كأن العالم يتعلّم الغياب منكِ.

أنزوي… لا لأن العزلة خيار، بل لأنها اللغة الوحيدة التي أفهمها منذ رحيلكِ. أجلس في زاوية الغرفة، حيث لا مرايا ولا أسئلة، وأراقب الوقت وهو يمرّ دون أن يلتفت إليّ. كنتُ أظنّ أن الانتظار فعل أمل، حتى اكتشفتُ أنه شكل آخر من التعب.

صرتُ لوحةً مركونة على الجدار، لا يلحظها أحد. ألواني ما زالت موجودة، لكن الغبار يعصف بها بلا رحمة، يغطي التفاصيل، ويطمس النوايا الأولى للرسّام. أتذكّر جيداً تلك اللحظة التي وُلدتُ فيها حيّاً، حين كانت النظرة كافية لتعيد ترتيب روحي، وحين كان للحضور معنى.

الآن، لا شيء يتحرّك سوى الذكريات. تمرّ كنسمةٍ باردة، لا تُنعش، بل تُذكّر بأن الدفء كان هنا يوماً. أحاول أن أنفض الغبار عن نفسي، لكن اليد التي كانت تفعل ذلك عني لم تعد موجودة، فأكتفي بأن أتركه يتراكم، شاهداً على طول الغياب.

أدركتُ متأخراً أن بعض الغيابات لا تُحدِث فراغاً، بل تُعيد تشكيلنا بالكامل. تجعلنا أقلّ صخباً، أكثر هشاشة، وأكثر شبهاً بلوحاتٍ منسيّة… تنتظر نظرة واحدة صادقة، لا لتُعلَّق من جديد، بل لتُعترف بأنها ما زالت حيّة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading