القمامة الوسيمة – أ. جهاد جحرز

لم يلتفت نظرها إلى الأضواء المتلألئة التي كانت تنعكس في عينيها من مطار إسطنبول، فقد كانت مدينتها، الغارقة في ظلامها الدامس منذ أكثر من عقد، هي الخيار الوحيد الذي يضيء في قلبها. لم يكن إيمانها بعظمتها مجرد فكرة، بل كان شعلة متقدة تنير عزمها على درب الأمل.
كانت رائحة المدينة هي أول ما يضرب أنف الزائر؛ مزيج من الغبار المختلط بعبوات بلاستيكية فارغة، وصوت أكياس سوداء تتمزق بفعل الريح. هذه الرائحة النتنة التي تزكم أنف جبل العروس، وتجعل شموخ قلعة القاهرة يبدو ضئيلًا، كانت هي عدوها الأكبر. تطهير المدينة منها كان هدفها الأول، هدفًا لم يكن أقل أهمية من تحريرها نفسه.
ارتدت افتهان خوذتها الصفراء، التي لم تكن مجرد قطعة من البلاستيك، بل كانت تاجًا يرمز للمسؤولية. وبدلتها الفوسفورية لم تكن مجرد لباس عمل، بل كانت وعدًا بأنها ستكون نورًا وسط الظلام. تقدمت فريقها حاملةً مكنسة طويلة، وقالت بصوت مسموع لكن هادئ: “أنا واحدة منكم. أنا لست مديرة لمكتب النظافة. أنا هنا لأعمل معكم، معكم في كل مكان.”
لم تتخذ مكتبها، بل اتخذت من الأرصفة التي دفنها غبار السنين مقعدًا لها، ومن الشوارع المزفتة بأكياس سوداء مكتبًا مفتوحًا. رأى الجميع جديتها في كل حركة؛ عندما كانت تنحني لترفع قارورة بلاستيكية أو تقف طويلًا لتنظيف جدار، لم تكن مجرد موظفة تؤدي واجبها، بل كانت رسامة ترسم ملامح مدينة جديدة.
يومًا بعد يوم، بدأت المدينة تتنفس. رائحة الياسمين المهملة منذ زمن طويل بدأت تزهر من جديد. كانت الحالمة، التي اختنقت بضباب الأحقاد، تستيقظ كل صباح على هواء نقي. معالمها التي كانت مطمورة تحت براثن الإهمال، بدأت تومض من جديد. كل زاوية، وكل حارة كانت تطلق تنهيدة راحة بعد سنوات من الاختناق.
بأسنة مناجلهم الحادة، التي كانت تبدو كسيوف شريفة، بقرت افتهان وفريقها بطون الأزقة المسدودة. كانت أيديهم تمسح غبار الاستهداف بعنفوان ثائر. ومع كل شبر يتم تنظيفه، كانت الهمسات تتزايد. “كيف استطاعت افتهان غسل وجه المدينة بهذه السرعة؟” “ماذا قالت حتى تضحك أسوار القاهرة وقصورها؟” “ما هي الهدية الثمينة التي قدمتها لـ”صبر” لينحني لها بكلّه؟” كانت الشكوك تتناسل كالذباب، لكن افتهان لم تلتفت. كانت المدينة هي التي تجيب عنهم.
“لا أيها الرهط المنفلت من عقاب الضمير. لا!” كان صوت المدينة يصدح. “افتهان تحفر، وتغرس، وتسقي. هي لا تزيح العامل المتصبب عرقًا لتقف مكانه وتتصور بمنجله.”
كانت الأيدي الغليظة للعاملين التي سُرق عرقها منذ سنوات، تجد الآن من يكرمها. لم تمتد يدها لصفع أحلامهم البسيطة، بل مدت إليهم حقوقهم المشروعة. قامت بتكريمهم على الأرصفة، أمام الملأ، كأنها تقول لهم: “لقد عدتم إلى مدينتكم”. كانت افتهان تأكل من قوت بيتها، ولم تكن تمد يدها لسرقة لقمة عيشهم. كانت شبعانة من الكرامة قبل أن تكون شبعانة من الطعام.
سكن المدينة هدوء غريب، ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة. فجأة، بدده صوت رصاص صاخب. هُرع الجميع نحو مصدر الصوت. كان هناك مراهق وسيم جدًا يفرغ مخزنًا كاملًا من قبحه في رأس افتهان. ثلاثون طلقة، كل واحدة منها كانت مزقًا لفكر مستنير، في وضح النهار.
لم تكن تعلم افتهان أن هناك قمامة أخرى غير مرئية بحاجة للكنس والحرق، وأن قلوب البعض لم تكن سوى مكب سحيق لنفايات الحقد السامة.
رائحة نتنة تغزو المدينة من جديد، رائحة الموت واليأس والحقد. دم قاني بالإخلاص يتجمد في طريق رئيسي، ولا يجد الآن من يرفعه.





