وجع الفطام – رانية اقلعي

على شرفة منزل يطل على خليج مهجور، حيث كانت دواليب الدهاليز النحاسية القديمة تدور في صرير خافت مع كل هبة ريح، تجلس رجوى.
كانت الشرفة بطلاء جدرانها المتقشرة وأرضيتها الباردة، مرآة لحالتها الداخلية، هي امرأة في أواخر العشرينيات، بعينين واسعتين ذابلتين من السهر، وشعر أطلقت له العنان يتناثر حول وجهها الشاحب.
لم تكن لعبة الدهاليز مجرد قطعة أثرية، بل كانت تذكرة بصوت سامر.
كان صلبا وواثقا كمنحوتة صخرية، لكنه كان يملك ابتسامة تضيء حتى أحلك زوايا روحها.
رحل كما يذهب الغريب بعد ليلة ضيافة قصيرة، تاركا كلمات القصيدة تنبض في صدرها كحمى لا تنطفئ: “و ها أنت ذاهب، ناسيا ميثاق الوعود، مطفئا سراج القلوب”.
رفعت رجوى بصرها إلى الأفق الباهت، كأنها تبحث عن أثر خطاه الأخيرة،
“أ نسيت ما كتبناه على الرمال؟ أم أن موجك محاه بالعناد؟” تذكرت كيف كانا يجلسان على شاطئ البحر، يخطان بأصابعهما أحلامهما في الرمل الذهبي، ثم يضحكان بتهكم على ضعف تلك الوعود أمام أول مد، لكنها لم تكن تتوقع أن يكون المد هو “سامر” نفسه، يمحو ما خطه بعناد وقسوة.
كان قلبها، هذا الشيء الصغير الذي ينبض بذكراه، قد أصبح كمنارة مهجورة، توسلت بهدوء يائس: “اترك هذا الذي ينبض بذكراك، وحيدا يتسلل إليه الظلام خفاء”.
كانت تشعر أن غلظته أصبحت دستوره الجديد في الحب، فالحب لديه لم يكن وصالا، بل “الغلظة دستورك في الهيام، لا وصال، لا وصال…”. لقد تحول من شريك حياة إلى “التيه في الظلام” الذي ضلت فيه نفسها.
في لحظة من الإعياء النفسي المطبق، شعرت أن هذا العبء الثقيل من الذكريات والمشاعر المعقدة قد أصابها بالمرض الجسدي: “معضلاتك أصابتني بالزكام”.
لم تعد تحتمل هذا الصراع الداخلي،أقصى أمانيها سكينة ونسيان، حتى وإن التحفا بالزيف.
أغمضت عينيها، متفوهة بوصال النهاية: “ابتعد! صه! دعني أنام، اتركني أغازل في المنام الأحلام”. لقد أيقنت أن العلاقة ماتت، وأنها وصلت إلى نقطة اللاعودة…
لم يعد هناك رابط أو صلة، فقد “قطعت وا أسفاه بيني وبينك الأرحام، وشتت قواعد الأركان”.
النسيب، ذلك الترابط المقدس الذي كان يربطهما، تحول إلى شاهد على النهاية الأليمة، لم يكن الانفصال مجرد فراق، بل كان “النسيب بيننا شهد الفطام”، فطام مؤلم عن حلم، عن وعد، وعن حياة كانت تظنها خالدة…
الآن أيقنت أنها ولدت من جديد، خالية من سامر، لكن مثقلة بوجع الفطام.





