هلوسة حشيش – عبد النور الرايس

مستلقيا على سرير مهترئ ملتحفا بلحاف خشن جدا يترك أخاديد على الجلد من شدة خشونته، لكنه لم يأبه لذلك، لم يعد جلده جلدا، التصق بعظامه التي تشبه عكازات تحمل لحمه. لحمه؟! أي لحم عنده! تحمل روحه.. مومياء حية تستلقي على السرير.
لم ينج من عنف الحياة أفينجو من عنف ملمس اللحاف؟! رغم ضعفه وهوان قوته بيد أن أصابعه لا زالت تحتفظ بتلك المهارة الفائقة في إعداد سيجارة شقراء من أجل أن يدفيَّ بها صدره.. لم ينعم في حياته كلها بفتاة شقراء ولا غير شقراء، لكنه أفنى عمره في صحبة هذه السجائر الرشيقة.. هي الشقراء الوحيدة في حياته، كانت تمنحه دفئا في مقابل الاستيلاء على أنفاسه حرقًا، إنها علاقة الحب الوحيدة التي عاشها، علاقة العبودية الطوعية! يا له من حب معاق! يا له من حب أخرق!
لم يستطع الخروج أسبوعا كاملا من بيته ذي السطح القصديري، بسبب المطر المُطْرٍبِ الذي لم تنقطع خيوطه منذ مدة، حتى ذلك المظهر الصحو الذي كان يبدو عليه الجو لفترات قصيرة جدا لم يكن سوى مزحة سمجة تتفكه الطبيعة من خلاله على سكان هذه الناحية من البلد.. يا لها من سماء سادية تتلذذ بتعذيب الآخرين! لم يعد الكون محايدا! ثم ما يصنع في الخارج وبيته جنة، أليس يمد يده إلى أرضية البيت فيلتقط ما شاء من نبات القنب الهندي الجاف؟! كانت هذه عادته، أن يرمي أوراقا من هذه النبتة على الأرضية حتى تمتص الطبيعة اخضرارها كما امتصت قوته وأنفاسه، وستمتص بقاياه المادية عما قريب..
لا يزال يتلقى دعما من الحكومة قدره 300 درهم شهريا، ليس بالمبلغ الكبير، ولكن في أقل الأحوال يسمح له أن يدخن بكرامة الأسبوع الأول من كل شهر، ثم يرتخي الزمن ويسترخي لبقية الأسابيع كما ارتخى هو الآن على سريره بمقربة موقد الجمر..
الزمن نفسه يصير كسولا، لا حاجة له لأحداث ولا رغبة له أن يمضي قدما.. في هذه الناحية لا وجود للزمن، ما عدا صوت المؤذن المُعْلِن المُعْلِم بوقت الصلاة. ولم يتباطأ الموت عنه إلا بسبب تراخي الزمن قربه، الكسل معدٍ..
على الموقد غلاية تنوح، وبجواره براد يتربع على صينية في مواجهة كأسين زجاجين من نوع كؤوس “حياتي”.. في بيت لا حياة فيه! أشعل السيجارة، بدت في عينيه الذابلتين كعروس في لباسها الناصع البياض يعلو رأسها تاج مصنوع من لهب ذهبي، يقبل عروسه من قدميها يأخذ نفسا عميقا، تدخل حرارة القبلة إلى تجاويف صدره، هذه الحرارة تهدئ الألم الذي يعشعش وينهش بمخالبه كامل صدره الذي يكاد يلتقي بظهره.. كانت له طريقة فريدة في تدخين سجائره، لكن هذه المرة أحس أن طعمها مختلف تماما، وأن عشيقته لم تعد تكتفي بحرق أنفاسه.. شعر ببرد شديد يتصاعد من رجليه، برد حارق جارف.. كأن هذه السيجارة تكنس روحه السوداء من عكازاته العظمية، تكنسه رويدا رويدا دون أن تثير غبارا نحو الباب، باب جسمه.. قَرَّبَ الموقد منه عَلَّ شيئا من الدفء يقف سدا منيعا أمام البرودة التي تجتاح ما تبقى من جسده، لم يُجْدِ ذلك نفعا، بدأت أسنان طقمه تصطك مصدرة سيمفونية بديعة، سيمفونية حاصد الأرواح، شعر أن روحه تتسلل منه كما تتسلل حبات الرمل عبر شبكة الغربال.. أفرغ شربة شاي منعنع بائت في فمه من البراد نفسه، أيقن أن لا وقت له كي يصب الشاي في الكأس أولا، برد يتصاعد وبراد يرتشف منه شايا! أي نهاية هذه؟! كل شيء صار باردا. أخذ نفسا أخيرا من سيجارته، أرخى ستائر جفونه على عينيه، ونام، ونام نوما عميقا. هكذا فرغ من قصته أو فرغت قصته منه.. قصته نفسها توقفت؛ لأنها لا تدري أهو موت حقيقي أم هلوسة حشيش.





