القصة القصيرة

قــاف – د. وجدان الخشاب / العراق

صورة لامرأة ترتدي حجابًا ملونًا، مع ملامح هادئة وعينين مركّزتين، خلفية البورتريه بيضاء.

                                                                

   ها أنت تُلملم أوراق خريف ذابل وأنين شجرٍ عرَّته أنامل الخريف الموحشة… تراودك رغبة احتضان شرابك المعـتَّـق… تنفتح شرايينك لابتلاع آخر قطرات الزجاجة الفارغة عـلَّها تلمُّ أعصابك في فجر لاهـث… تدور بقاياك بوجه أزرق وعينين مرعوبتين.. لا تدمعان.. تنقبض أصابعك فتقطر منها الدماء… دماء ترمي اليك بندائها الأزلي:

قاف… قاف…

 يسقط جسدك في ظلِّ حائط منسي بلا ملامح.. تمرُّ قوافل الأزمنة وظلال الجبال.. تنهض الصحراء من سأمها ليقذفك رملها العاري بنداء يتوحش حتى تقطر عيناك:

 قاف … قاف …

محفورة هي رموزك على وجه جبلٍ موجود ومتواجدٍ معًـا… غائب ومتغيب معًـا.. لكنه حين يفتح ثغرة تطلق نبراتها تعويذة تتساقط مطرًا ونيازكًـا وبقايا اخدود عتيق.. يظلُّ يصرخ:

قاف… قاف…

قابيل.. قاتل.. قاتل

تصمت الريح.. يثور الغبار.. يبتلع عينيكَ فتزحف باحثة عن ومضة طوفان.. لكنَّها تسقط في بئر العتمة.. تستيقظ الشاهدة.. ينتفض القبر.. ينادي:

هابيل.. ياهابيل

آنَ لكَ أن تغافل الأكفان..

آنَ لك أن تقتل الصمت الغائم في موجة بكاء..

آنَ لك أن تفتح مساحةً للضوء لينهمر كثيفًـا ومريـرا..

هابيل.. يا هابيل..

آنَ لصوتكَ أن يدفع بالصهيل عبر الصمت المطوَّق بغبارٍ ودخان لينفتح أفق للغبار.. ويغفو الدخان مباعـدًا ما بين جفنيه.. صارخًـا:

يا قاف…

قابيل.. قاتل..

بدايات الخريف تزحف.. تمزِّق جفنيك نسماته آسنة ومغبرة معًـا.. تخترق ثقوب جسدك أول شعاعات الشمس لتومض إليك بصوتها المعبَّق بالعماء:

يا قاف..

أما مِن بذرة في بستانك الخريفي تنتظر ارتواءً تباعدت أزمانه؟

أما مَن يروِّي العطش الساكن في جسدك.. وأصابعك تذرع أزقة تمتلئ بعفونة مهيبةٍ تجول وتزكم ؟

أما مَن يُسقِط أحزانكَ عند ظلال شوارع أظلمتها الخطيئة والدماء؟

أما مَن يمنح قلبك المتعرِّق ظل شجرة.. ويغسل وجهك من دمائي وغباري؟

أنا هابيل في ظلِّ شاهدة قبرٍ وأنت تموج في وهج الدخان والشكوك.. تمتد الأرض تحت عينيك بأفقيةٍ لا تعرف الاستدارة ولا الانحناء.. يحتضنها الماء ليمنع رملها من الضياع.. لكنَّه الرمل لا يكفُّ عن الانسراب ليغتسل في طهر الماء.. وقدماكَ تخوضان في الرمل وحين تصلان الى حافة الماء تهرب أمواجه لئلا تغسل خطيئة تلبستْ جسدكَ الهائل.. فيما تطلُّ السماء موحشة ونائية معًـا.. وتقطر.. ليظل غبار الخطيئة يملأ عينيك وذاكرتك..

مَن يفتح السديم ليطلع منه النقاء مسودًا كبقايا احتراقٍ تعـلَّـمَ ارتياد الهواء.. تعـلَّـمَ اصطياد جذور الشجر العالقة عند أعمدة سماء تترافع مرات ومرات.. وأنت كبقايا احترق تبدو… غائماً في موجة ضياع.. والسديم يصرخ:

قاف.. قابيل.. قاتل..

ينفتح فمك لينثر الغبار صارخًـا:

ياهابيل..

ظلك مرسوم على كفي وعينيَّ.. وبيني وبينك الطوفان والقرابين والضَلال والأخطاء..

 يتردد الصدى:

ظلك مرسوم على كفي وعينيَّ.. وبيني وبينك الطوفان والقرابين الضَلال والأخطاء..

تصمت الريح.. يهدأ الغبار.. فتنهض الأكفان لتركض في شمس نهارٍ باكٍ ومبكٍ معًـا.. ترمي بشعاعٍ تشابكت في ظل هدأته اهتزازات شجرٍ مورق… فتنفتح المسافات وينهمر الماء طهـرًا وعذوبةً ونقاءً يعلن:

 العصف آتٍ والغيث تعلنه قطرة…

 فربما تغتسل به أصابع الأخطاء.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading