السرد الأدبي

فُوضى من عرقٍ ودخان – د. وجدان الخشاب / العراق

صورة امرأة ترتدي حجابًا أزرق وتفكر بجدية، مع نظارات شمسية على رأسها.

   في صحراء الملح حفر خندقـًا وسمَّر الجسد ، لتندمل الجراح ثمَّ تتقيَّح ، لأنَّه رسمها أو تصوَّرها هكذا تندمل ثمَّ تتعرَّق / ليغرق في ظلِّ بكاء محمول على فُوضى العربات التي هجرتها خيول مشدودة إلى الأُفـق / تشتعل ركامات ذاكرته وترمي دخانها لتخفي الدمعة والقتيل …

   لا تذكر القتيل إنْ نطـق لسانك باسمه سيمدُّ الصُبّار جذوره باكية لتحفر الرمل علَّها تترطب بملح الضريح … عندها سينهض … وينهض الرحيل / صاخبًـا / وتنهض الهجرات التي كلن يراها دائماً نوافذ منسوجة لدروب الصرخة المكتومة … ويطـلُّ ….

   تسَّاقط الجراح على صحراء الملح … وينحني علَّها تعكس صورته الأخيرة … أو رُبَّما عاداته الأخيرة ، عادات جراح مكسورة تترك شعارًا معلنًـا على عرش الجسد الذي يسحب الفرس الراكض / وحين تلفَّت الفرس ، لم يرَ أحداً …

   كان دومًـا يتراكم ويتراص { هذا الجسد } بانتظار عزلة مبعثرة لم تلملم فجرها بعد …. أو ربَّما خلف ركام المرايا التي تعكس / وأحيانًـا تخبَّئُ فيوضات الليل خلف عينين لامعتين تبكيان الصخب والضجر معًـا …

هل للمرايا ضفاف تمـزّق الأجساد وتروّي شقوقها بملح الليل ؟ والكافور الهائم والعاج الباكي والشاهق أبدًا شهقة بلا خفوت تتكدّس فوق حرير الشمس والنهار / وما يزال هو طقس يحارب أيام تتزيا بالرتابة … وقطارات أصدقاء أو خصوم وافدة أبـدًا / أو ربَّما ما يزال يحارب وقته المثقل ويفرشه بساطاً مظـفـورًا تتخطفه الكلمات .. ويطـلُّ …يستباح الملح المحمول فوق دمائه أو ربَّما يُترك ليغفو فوق خوذته أو قلادته – لا فرق – الثقيلة والصقيلة ، ودائمًـا تدور الفراشة – رائحة الحرية – بمحاذاة حافة الخوذة أو حافة الفراغ … تشدُّ الرغبة لطيران ينام تحت خفقة الجناح … تدمى الفراشة .. وتمدُّ لوامسها فتضيّق الخوذة مسافات الزمن لتصرخ بها :

لا مغادرة …

وتصدأ الرغبة والجناح / قدح القهوة ينادم بقاياها على الجدار ، وأعقاب سكائره مليئة بفُوضى الدخان / هل يتغيّر الدخان ؟

هل يصمت ولا يعلن عن وجوده ؟

يبدو أنَّه ينسحب عبر الشارع أو الصحراء ليغلِّف الفسحة أو الأُفق / أو ربَّما المطر الذي يغسل رؤوسنا وبقايا رمادنا مثقوب القلب … ويطـلُّ …

   تسيل الصحراء تحت شمسها لتفترش فردوسًا من رحيل وريح … ترتدي القحط وتساير الضوء أو ربَّما الحرائق لكي تبني الكلمة / كلمة هي ريشة عصفور تقضم الجبل – ركام القيود – وتبرد أسنانها كل مساء وتستدير للضوء / وتصمد لقامته هو العصفور الزاحف على كتفين من قضم وبكاء / خطاه يتقاسمها الرمل والأثر / وتصمد / ويضيق الأُفق / والصيّاد يحصي غنائم مهزومة على مدِّ الطريق / تفترش الغنائم أجنحة الليل لقدح القوس والرصاصة ، وتنتظر فماً يتحرَّق لنكهة الشواء / الجمر يبكي ويغيم ليرشَّ ذروره على الطريق ، عـلَّ جواده يغـفل ويترك الأثر حين يطـلُّ ….

مَن أشقى المراكب والماء باشتعال آسر يزرع مرارته القائمة ؟

مَن أحرق الليل والرمل والصدى ، وارتمى ليدلي بشهادة مستترة لجرح لم يعصف بعد ؟

أتُغسل الجراحات التي تقتات على أحلامنا وخضرة ثوانينا مثل دودٍ يزرَّق ليغتال بياض قطنٍ ويرمي أحلامه لظلام فالتٍ من نهاراته ؟

أتُغسل الجراحات والثمرة في ظلِّ صديق وقدح لم يُمزج بعد ؟ وأثر الجواد مُغيَّب في جوف جحيم يتحرَّق للأثر / أو ربَّما للأصابع التي ترمم بقايا حسرات أليفة تنتشر وتهيم في صدى أجراس تربط الجواد بمدار شراكها … وتتوسد ذاكرته وحوافره التي تكابد توقها للانطلاق نحو طعنة تمنح دماءه نكهتها … ليطـلَّ معروقًـا هو وحصانه بدماء ناضجة تمامًـا / وهي الأُخرى تترجل لتظفر آثاره الشاردة أو لتحاول حـلَّ وثاقها لتجوب غضبًـا وغبارًا آخرينِ / هذه هي لثغة الجراح أو – ربَّما – هو جنون شفائها …

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading