نهار مُـتـوَّج – د. وجدان الخشاب / العراق
يتمدد الشارع والرصيف معًـا فيشدان فيضًا من الفراغ بعضه إلى بعض ، لا شيء يدلف إلى عالمهما ولا يغادر منه / الرصيف يحدد الشارع داخل مرسومه الحاد ، لكنَّه يزدري حدوده ويتجاهلها فيمتـدُّ حينًـا ويجزر أحيانًـا …
بلا مبالاة … لم يستطع التوحد معهما / ولم يفكر بالإفلات … كان الرصيف يدفع خطواته أو ربَّما كانت خطواته الخافرة أبـدًا تفترش الطريق ، وتسكب ظمأها ونهاراتها الخائبة المشدودة إلى عنقه المثقل بإكليل عائلة تَدمى وتُدمي عينيه …
ما بين الضوء والشارع تندفع خطواته كلّ مغيب بلا مذاق للأمل أو … البكاء / القناديل تسفح شكوكها وأحلامها لتطرد ظلّه الوحيد أو ربَّما ما يبدو ظلالاً لأعمدتها الصدئة …
لا تفتح الباب للفراشة / النار تطارد قلبها وغبار ألوانها / تهرب … ترتمي بين الأنامل وباطن الكـفِّ المملوء حزنًـا ورحيقًـا، وتشهق بأُلفة خَضوع كما مرآة ذلك الصباح وجلسة أميرة أزمان حان أوان سطوعها شفافة وحنـوّة … تستقبل نهارها المُـتـوَّج … وتشرع بربط روائحها وضحكاتها وسرب نوارس صباحاتها .
ما يزال الصيف ممتـدًا كما الجثة آنيّـة الموت / الذئب تطالعه الرائحة ويعانده المصدر الموصل إليها / الغراب يصفر بأجنحة الظـفَر الآتي / الجـثّة تعابث باب الخلاص … جراحاتها لاهثة أبـدًا وتنتظر رملا يتزاحف إليها / ينشر الظلام ، ذلك المحارب المتجدد أبـدًا ، يظفر النهارات ويشرِّدها ، ويتربع … ما يزال الضوء يستدفئ / ما تزال ظلال خطواته تتساحب مقهورة ، أو ربَّما بدت غير قابلة للقهر / خطواته تلتف بعباءة أو ربَّما بغطاء سرير … تتحرَّق هناك وتعرق بانتظار أخبار منادٍ يجري في السوق نافـخًـا منذ قرون …
ختم مفقود …
ختم مفقود …
السوق يعجُّ بالنافخين ، لكنَّها كلماته … ختم معـقود بختمٍ على رقيم أو بردي أو صحائف تُصقَل وتُدهن لتضمَّ ظلال وأصداء حروفه التي بدأت تلملم أعصابه ودماءه وتنثرها لغافلين …. يوميًـا تُختم جباههم بلعنةٍ تقرض حناجرهم وتُـزيّـف نبرة أصواتهم .
تلتفتُ الخطوة إلى مسارٍ قطعته وهو يُعـلِّـق :
لا ختم على الرصيف ، لا بل أختام تـظّـلُّ وهـجًـا يرطِّب ذاكرات غافلة ….
الخطوة تختلج وأحشاء الذبيحة منثورة هناك ، تلتف بعباءة النبوءة ، وتقرفص حيث دائرة الضوء ، والفأل شعلة تلتهب / الحروف تشهق طافـرة من فصٍّ مزرق ينزف دمعه وصفرة دمائه ليرسم للخطوة فألها القادم .
ترفع الخطوة جفنيها … لم تجد ضبابًـا ولا غيمًـا ولا حتى قمر / أتراه خاض النهر يلملم أسماكًـا ملفوظة وحصى وبقايا صمت كسول ، ليلفُّها بخيوط أحزانه أو ربَّما أوهامه / يرصِّع بها أبواباً خفيّة لليل أو نهارات غائمة أو ربَّما لأثر سيُترَك على وجه ورقة ما !
أتُراه خاض في النهر ؟
أتراه يزرع أقمارًا لأملٍ ما ؟ لا …إنَّه يحرِّض الهموم التي تتآكل لتتوالد / يلعق انتظاره حينًـا ، ويغرق بهدوء لحظةً ، ثمَّ ينتفض كالمطر التي يظنها تحمل قمح النذور … نذور باكية أبـدًا وتهديه لفرح سكيب على وجه رملٍ لم يلتقط خضرة ما !
الخطوة تكابد مرارة انتظاراتها / والعبد ما يزال هناك يشحذ سكينه هو … يدبب لها أظافرها ويلعنها .
عيناه تشدان الخيوط إلى السماء علَّها يوماً ما تبارك الرؤيا وتدفع بالنبض إلى الفوران / عرباته تندفع وراء النبوءات التي تتفسخ هناك من ألف عام ، وتدفع جراحاته إلى صمت ونسيان تافهين … إنَّها النبوءة تؤسس تاجًـا للنهار ثمَّ ترقد في قاع مرسومها فيخيَّل إليها أنَّها تغادر المسافات ، وتختصر آمادًا غير معلنة لخطوة يبدو أنَّها ولِدتْ لكي تظـلَّ معلّقة أبـدًا في هواء محموم ….



