السرد الأدبي

رمليات مُـدوَّرة – د. وجدان الخشاب / العراق

صورة لامرأة ترتدي حجابًا ملونًا، وتبتسم، مع خلفية بيضاء.

                                                        

   أحيانًـا ينتفضُ مكر بدائي لإصبع عابثة تُوهِّج حزمة كبريت غافلة، فتنطلق النار دفَّاقة لتخلِّف الرماد الذي تدافعت فيه العصور مُـرَّة وعنودا، بواباتها تخفر عند افتتاح النهار، حُرَّاسها عميان وجلاّدون ورُعاة يتناوبون الجلود والأجساد، التي تدفع رُكامًـا يشبه أحلامها المحاصرة في أنفاق يومياتها الهجينة المتطايرة في وجه شمسٍ تتوشَّح بالدماء آخر النهار.

   الحُـرَّاس… كم … وكم يصارعون عمىً يغرق في محارق قسوة الليل، ولعنة امتداد يُسمَّى النهار… العمى ذاته يهدد باختناقٍ مُـعـكَّـرٍ يرمي بوجوههم إلى ظلِّ الأسوار التي تبدو خالية من ذكريات تُنقَش على الجدران… بل أنَّها موحشة تمامًـا كوحشة ما يمتدُّ أمامها من رمال، وما يتناثر خلفها من أصوات متخالطة، ورغبات ترسم تقاطعاتها المبحوحة التي تضجُّ بها ألسِنة مخنوقة، فتتنافر أصداء حروفها لتنصهر في دوران اللحظات… دوران هائل يحكم كلَّ شيء.

   ما زالت الطيور تنتمي إلى الهواء وليس إلى الرمال… ما زال الحُرَّاس الخافـرون يخفرون عند بوابات العصور، تُـكـدِّس ذاكراتهم مُخـلَّفـات سرطانية لما وراء الأسوار، تورِّمها أرمدة تتراكم، ربَّما لتتهيأ فتنطلق من رهبة ظلام الرؤوس إلى نور أجوف، يبدو رماديًـا تمامًـا، تهرب المُخلَّفات بلا نبضة ولا مدائح ولا أكفان لتشدَّ الذاكرات إلى مدافنها، لكنَّها لا تدفع عنها نبشًا يعاود استيقاظه دائماً بين صفعة العطر وغفوة رملة.

   ذاكراتنا… تلك الغرف… تُصفَّح يوميًـا بقـشٍّ يهطل وألغام تغرق في إغفالٍ ثقيل، إغفال يبدِّل أشكاله وأقفاله وحواشيه، ويتشعَّب مثلما تتشعَّب عروق أشجار منسوبة إلى الوجود، المقابر مهجورة للصمت والنهار الأعزل وأحياناً للسُرّاق الليليين… وربَّما لتلك الريح التي تنثر شكواها وأمطارها، لتطارد ما انسلَّ من تأريخها عبر الهبوب… وما اُفـتـضَّ من أسرارها وأسراها ، مُوقِّعة دفقها وتدافع غبارها ورمالها المتطاردة عبر تشكيلة تمظهراتها التي لا تُحدُّ ، لكنَّها مع ذلك لا تلبث أن تتهاوى متهـدّلة على ما يبدو أسوارًا، أو ربَّما أسرارًا بلا كتمان …

هناك…

بعيـدًا…

الحمامات مطلوقة ومبعثرة / النسر وعشّه الرابض بين الأعشاب / التخوم والأملاك السرابية / الدجّال العتيق ونظرته المُعلَّقة بأطراف السّماء / برك الحنان الملطَّخ بنسيج العنكبوت / العُقد واللحظات المتوهّجة / ملائكة الرحمة القتلة / الليل ونيرانه الهامدة / القبو الذي ظـلَّ مفتوحًـا على السّماء / القنابل وهدأة العيون / الومضات الراقدة في عزلة قيد مفروض / الدم الأسود المتجمد / الثلج المبقّع المعترض على الانصهار / هيجان ساقية ضيِّقة بمياهٍ ثقيلة /  مقاطعة الصمّ العُـزَّل لصخب الأجيال / النوارس وتمرّداتها بين بحرٍ خابٍ وفراغٍ جاف / الرؤيا التي تُكـفَّـن رقدتها في هيكل من ذعر… تنهض وتنزلق جذورها نحو غيوم تحرثها أهداب تتصلَّب، وتنبثـق من أجفانٍ مُحدَّبة الظلال والنظرات…

   ها أنت مرَّة أُخرى – أيُّـها النصُّ راكـدًا ومعتمـًا وبلا رائحة… ها أنت مرَّة أُخرى تظـفر… لا… بل تحاول أن تظفر الرؤى بين النشر والانكفاء، ثُـمَّ تردَّها إلى مساحة ضيِّـقة لقلب غادرته الأبواب…

وأنتَ لا زلتَ أنتَ بحر لا اتساع ولا انفتاح لمنافذه المغلقة بالأشواك… أشواك رمتها الموجة يومًـا ما هناك، ثُـمَّ انسحبت لتُضيف لطيف مرورها كـدَّا آخر، وتلميحًـا يُضاف الى تلميحاتها بانسلاخٍ عن المدِّ والجزر الذي يرفض الاعتراف. 

الغيوم…

ألا ترمي الغيوم ببلوراتها الضّاجة في عتمة ثناياها إلى حضن فسيح ومفتوح لرمالٍ تنتظر… أو ربَّما لرمالٍ يبدو امتداد الأجيال عليها ثقيلا وتافـهـًا أيضًا… هذه الأجيال التي سيظلّ فان جوخ يطاردها بعصا ايمان يطارده ويصرخ به وله:

الحياة مُـدوَّرة     

                البرق مُـدوَّر

                                   الأسوار مُـدوَّرة                                  

                                                          الرملة مُـدوَّرة

والعينان دائرتان في بشاعة مُـدوَّرة تُدعى الوجه………..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading