الروح المصرية في اللوحة التشكيلية -د. وجدان الخشاب / العراق

قراءة للوحة الفنانة ايفيلين عشم الله

د. وجدان الخشاب
من عمق الريف المصري، حارة الملاحين في كفر الشيخ في مدينة دسوق تطـلُّ الفنانة التشكيلية المصرية ايفيلين عشم الله، حاملةً روح مصر ونيلها في لوحات تعبق بمشاهد من الواقع العياني الذي عاشته في طفولتها في ذلك المكان، تلك المشاهد التي تركت آثارها العميقة في ذاكرتها فتحوّلت الى مصدر الإلهام الذي لفرشاتها التي تستذكر هذه المشاهد في لوحات ثرية، تعيد نسج خيوط الزمن الذي مضى، وتمنحه يقظةً عابقةً بروح التراث الشعبي المصري، وتلفت نظر وذاكرة المتلقي لتلك اللوحات.
من مجمل لوحاتها كان اختياري للوحةٍ تعبيريةٍ استعادت فيها مشهدًا من احتفال مولد (سيدي ابراهيم الدسوقي)، وهو – حسب ما نشره موقع ويكيبيديا- ابراهيم بن عبد العزيز أبو المجد (1255م – 1296م) إمام مصري صوفي وآخر أقطاب الولاية الأربعة لدى الصوفية، وإليه تُنسب الطريقة الدسوقية، ويقام له احتفالان سنويًا، أحدهما في شهر ابريل يسمّى المولد الرجبي، والثاني في اكتوبر والذي يُـعـدُّ من أكبر الاحتفالات الدينية في مصر، حيث يزور مسجده الكائن في قلب مدينة دسوق أكثر من مليون زائر في المتوسط خلال أُسبوع من داخل مصر وخارجها، إذًا احتفال المولد هذا احتفال كبير، يزخر بالمشاهد الحيّة المتنوعة التي التقطتها عين الفنانة ايفيلين منذ طفولتها الأُولى، وخزّنتها في ذاكرتها، لتجسِّدها فيما في لوحةٍ سنقف عندها تقنيًـا ودلاليًـا.
يكشف المسح البصري لهذه اللوحة عن اختيار الفنانة للألوان الفاتحة، لإشغال خلفية اللوحة من خلال لمسات خفيفة بالفرشاة لمجموعة من الألوان جمعت بين الأخضر والأصفر والأحمر بدرجات فاتحة ومتداخلة، ثم عمدت الى تقسيم هذه الخلفية على (3) أقسام متداخلة، الأول هو الثلث الأسفل منها والذي موضعت فيه أشكالا لسبع شخصيات، والثاني اختارت له ثلاث شخصيات، أمّـا القسم الثالث الواقع في أعلى الخلفية فقد اتخذت ست شخصيات موضعها فيه، واعتمدت الفنانة على أُسلوب المنظور البُعدي في تظهير هذه المجموعات، لأنَّها تتموضع على مسافاتٍ متوالية من مُسطّـح اللوحة، وهذا ما أسهم في تحقيق الايهام بوقوعها في البُـعـد الثالث للوحة، فأشكال شخصيات القسم الأول بدت هي الأقرب للمتلقي من حيث المستوى المكاني؛ وذلك لظهورها في مقدمة الأشكال الأُخرى، تليها المجموعة الثانية، ثمَّ الثالثة.
إنَّ المتلقي حين يمعن النظر في تمثيل أشكال الشخصيات التي تموضعت في الثلث الأسفل من اللوحة سيجد أنّ ثلاثًـا منها يتخذ مكانه في مقدمة اللوحة، يليه مكانيًـا أربع شخصيات، وهم شباب ورجال وشابة واحدة، وثلاث من هذه الشخصيات ينظرون نظرة مباشرة الى الأمام، مما يدلُّ على أنّ مظاهر الاحتفال تمتدُّ مكانيًـا أمامهم، فأثارت اهتمامهم ومتابعتهم لها بالنظر، أما الآخرون فيظهر وجه كل منهم بشكلٍ جانبي، حيث ظهر اتجاه الرأس من اليمين الى اليسار أو العكس، لكنَّ عيونهم لم تُرسم على شكل مثلث لتتناسب مع اتجاه الرأس كما هو معروف في الواقع العياني، بل رُسمت كاملةً ولكن اتجاه نظرها الى الأمام، أي الرسم بمنظورين أمامي وجانبي، وهذا النوع من المنظور يحيل الى التماثيل الفرعونية، التي اشتهرت بهذا النوع من الظهور؛ للتدليل على قدرة الشخصية على الرؤية في أكثر من اتجاه، وكذلك سلطتها ومكانتها المجتمعية العليا، ويبدو لي أنَّ الفنانة تعمدت هذا الشكل من التظهير؛ للتدليل على ارتباط الإنسان المصري بتأريخه الفرعوني، فهؤلاء هم أحفاد اولئك الأجداد.
وتلفت ملامح هذه الشخصيات نظر المتلقي، حيث تميّزت جميعها بالعيون الواسعة التي رسمتها الفنانة بدقة وتأنٍ؛ لتمنح ملامحهم قوةً وسحرًا وجمالا يتآزر مع اشراقة وجوههم، فمن المعروف في الواقع العياني أنَّ الشعب المصري أسمر البشرة، لكنَّ الفنانة أضافت إليها إضاءة لونية من خلال لمسات لونية خفيفة وبدرجات فاتحة، وبالمقابل كان تأكيدها على رسم الحواجب البارزة شبه المرفوعة الى الأعلى؛ لتؤشِّر إحساس الدهشة اللطيفة التي تعلنها هذه الملامح.
وللتأكيد على الفوارق العُمرية بين شخصيات هذا القسم من اللوحة، اشتغلت الفنانة باتجاه تظهير الشوارب لثلاثة من الرجال، واحد منهم مفتول الشارب؛ للتدليل على انَّـه من سكان القُرى أو الأرياف، أمَّـا الآخران فظهرا بشاربين مُهـذبينِ إشارةً الى سكّـان المدن كما هو معروف في الواقع العياني. وفي المقابل منحت الشخصيات الثلاث الأُخرى غطاءً للرأس (طاقية) بالألوان: الأحمر المطفأ والنيلي والأخضر المتدرِّج من الدرجة الفاتحة (الفستقي) الى الدرجة الغامقة (الزيتي)، وهذه الأنواع من الطاقية يشتها بها القرويون وتخـلّى عنها سكان المدن غالبًـا، أمّـا الفتاة الشابّـة فتميزت بغطاء الرأس (الايشارب) المربوط على الطريقة القروية للمرأة المصرية، وبهذا أكّـدت الفنانة على الهوية المصرية لهذه الشخصيات.
تعلو هذه المجموعة أي في المساحة الأبعد مكانيًا باتجاه البُـعد الثالث للوحة أشكال ثلاث شخصيات، شكل رجل تكشف حركته الجسدية عن إطلالته من الوراء على امرأتين، قد تكونان زوجتيه؛ لأنَّ حركته الجسدية تكشف عن وضع يديه على كتفيهما؛ مما يدلل على رابط أُسريّ عميق، والمتلقي هنا سيلاحظ ملمح السعادة الظاهر على أشكال هذه الشخصيات الثلاث لمشاركتهم في الاحتفال من جهة، وللحماية التي يوفرها الرجل لهما من جهة مقابلة.
ويشير وسام زين الدين في مقالته (حكاية ولون ) الى أنَّ هذا الرجل (رجل مبروك يشبه الدجالين يرتدي على رأسه طرطور)، والطرطور هو قبّـعـة ملـوّنة، ومن المعروف أنَّ الاحتفالات بالموالد تستقطبُ أنواعاً متعددة من الناس، يروا فيها فرصة للارتزاق المادي مثل لاعبي السيرك، والمغنيين وقارعي الطبول وبائعي حلاوة المولد وعرائسها، كما تستقطب مَن يقرأون الفنجان والكفّ والرمل لاستطلاع المستقبل، ولكنّي أميل الى أنَّ هذا المشهد هو مشهد أُسري خالص رغم المظهر الذي يبدو عليه الرجل من حيث لبس الطرطور المُـلّون والقلائد التي تزيّـن صدره، والمحابس التي يرتديها في أصابعه، وهي كما يراها وسام زين الدين في مقالته (عـدّة الدجالين)، إلاَّ انني أرى أنَّ هذا الرجل اقتنص لحظات من عمله ليكون مع أُسرته.
إنَّ تأمّـل المتلقي لهذا الجزء من اللوحة سيلفت انتباهه الى وضعية الجلوس التي تتخذها المرأتان، ووضعية اليدين أيضًا، حيث تشير دراسات علم حركات الجسد الى أنَّ وضع اليدين بهذا الشكل يشير الى الاحترام والتقدير، وهو في هذه اللوحة تقدير لحماية الزوج، وسعادة بهذه الحماية حيث تكشف الابتسامة الخفيفة على وجهي هاتين المرأتين وانفراج اساريرهما عن هذه السعادة. كما سيشتغل التأمُّل أيضًا باتجاه تفعيل تصوّر المتلقي أنّ وضعية هذه الشخصيات أقرب ما تكون الى وضعية التقاط صورة تذكارية؛ بدلالة ظهورهم بوضعيةٍ أمامية واتجاه نظراتهم الى الأمام مباشرة، وكأنهم ينظرون الى عين الكاميرا استعدادًا لاقتناص المشهد، ولكنَّ تأمّـل اللوحة ككل وما تحيل إليه أقسامها الثلاث، ستمنح المتلقي فكرةً أبعد وأعمق، وهي أنَّ الفنانة – كما صرّحت في أكثر من لقاء صحفي معها – تقتطف المشاهد المخزونة في ذاكرتها من احتفالات الموالد، التي كانت تُـقام في مدينة دسوق على مدى سنوات طفولتها، وتحوِّلها الى لوحات تجسّد فيها هذه المشاهد عبر خبرتها التشكيلية، فتصبح اللوحة صورة استرجاعية تشي بزمنٍ مضى وتحوّله الى حاضرٍ يمتـدُّ الى المستقبل في الآن ذاته.
كشفت التنقيبات الأثرية في مصر الفرعونية عن مجموعة من رموز استخدمها المصري القديم، تتمثل في أشكال متعددة مثل عين الإله حورس، التي تُـعـدُّ تميمة أو تعويذة سحريّـة تقي الإنسان حيّـا أو ميتًـا من الأرواح الشريرة والحسد والأمراض، وتوارثت الأجيال هذه الرموز الى الوقت الحاضر حيث يستخدمها المصريون في المناطق الشعبية والقرى والأرياف لحماية أنفسهم وممتلكاتهم من الشر، وقد يستعملون العين وحدها أو ترسم على الكفّ، وتسمى شعبياً (خمسة وخميسة) أي الكفّ وأصابعها الخمسة؛ لصدِّ العين الشريرة ومنع تأثيراتها السلبية، وأفادت الفنانة من هذه الفكرة فرسمت العيون منفردة أو على طريقة خمسة وخميسة، أو الكفِّ وحدها، أو جعلتها للتزيين حيث ارتدتها المرأتان على شكل شعار متصل بسلسلة، وفي هذا أيضًا تأكيد مُـوجَّـه من الفنانة الى المتلقي على أنَّ هذه الشخصيات قروية، ويتآزر معها وجود الوشم على ذقن إحدى المرأتين، وهي عادة تخـلّت عنها المرأة المصرية التي تعيش في المدينة.
ومن المفردات الأُخرى التي تحيل أيضًا الى الحضارة الفرعونية المتأصلة في الروح المصرية، ما أظهرته الفنانة من حلي تزيينية، تمثّـلت بالأساور التي تلبسها المرأتان على شكل ثعابين والأقراط الدائرية، والمحابس العريضة ذات الفصوص الكبيرة والتي يلبسها الرجل أيضًا في هذا اليوم السعيد.
تشير الألوان التي لوّنت بها الفنانة ملابس المرأتين الى تضاد لونيّ يجمع بين اللون الأخضر البارد، واللون الأحمر الحار، واللون الأخضر يشير دلاليًـا الى الحياة المتجددة، فيما يشير اللون الأحمر الى الطاقة والحيوية، فالمرأتان إذًا تنعمان بحياةٍ سعيدة رغم فارق العمر بينهما، حيث تبدو المرأة ذات الثوب الأخضر هي الزوجة الأُولى والأكبر سنّا، والمرأة ذات الثوب الأحمر هي الزوجة الثانية والأصغر سنّا لكنَّ الانسجام الأُسري واضح تمامًـا.
وشكلَّ اللون الأسود لغطاء رأسي المرأتين تضادًا لافتًـا مع بياض البشرة المشوبة بلمسات خفيفة من اللون الأحمر، وانسجامًـا واضحًـا مع لون العيون السود وبياضهما النقي، كما أنَّ المساحة الواسعة التي منحتها الفنانة لعيون المرأتين وللرجل كذلك، أسهمت في جذب نظر المتلقي إليها؛ لما تبثه من خطاب روحي يشير الى سحرها الذي يتمثّـل بالطاقة الكامنة فيها.
يكشف الواقع العياني لأي مجتمع عن حقيقية واقعية، تتمثّـل في أنَّ الأطفال هم روح أيّ مكان يتواجدون فيه، وفي الاحتفالات والأفراح يكون الأطفال هم مصدر سعادة كبيرة؛ لأنَّ نشاطهم الذي لا يتوقف يبثُّ طاقةً للآخرين أيضًا، لكنَّ الفنانة ايفيلين تعـمّدت التخفيف من هذه الطاقة والحيوية، ومنح متلقيها شيئا من السعادة الهادئة والاستراحة بعد تمتعه بالتجوّل في أرجاء هذه اللوحة، والتشبِّع من حركتها وحيويتها عند وصوله الى القسم الأعلى منها، حيث اكتفت برسم رؤوس الأطفال فقط وهم يتراصفون في البُـعد الثالث من اللوحة، واعتمدت في تظهير هذه الرؤوس على ضبابية مشهدهم، لكنّـها منحت وجوههم علامات السعادة والفرح التي أظهرتها ابتساماتهم وعيونهم الواسعة.





