نبشًا لأرقامهم – د. وجدان الخشاب / العراق
الرقم ـ 1 ـ
مطر
مطر
مطر
السيَّاب يتوارى بعيدًا عن مطرٍ ينكأ جراحه التي غرست أشجارها في قلبه أو… قدميه… الأشجار تفرُّ من رذاذ المطر / ترتدي عباءة من ذعر / المطر يحيلها رمادًا… رمادا / اسطورة المطر أرَّقت الشجرة / أرَّقت السيَّاب في ندائه:
مطر
مطر
مطر
نداء / هذيان عصبٍ محمومٍ يتوهَّج بالحرف وصفحة ورقةٍ صقيلةٍ وأصابع امرأة تمزِّق الجراح التي لا تندمل / أصابع تنثر الحروف والخيالات والنخيل والقمر / تعود لتختفي في عمق جرحه النازف … ويثور السيَّاب / ينبش ركام لغته / يبعثر روائح قانون العَروض / يعانق دخان الحروف والأفعال والبحور / لتنهض القصيدة من رماد الحريق فتحرق الأصابع والقلوب… يا… سي.. ياب… الآن… لا فرق / بين ( هو ) و( السيَّاب )…
والرحيل يستعد دائماً لخلط أوراق الحضور / الرحيل هاجسنا… يتدفق / الرحيل أرض بوار لها أنياب وأظفار / الرحيل دم ٌ يُراق على صفحة قلبه النائي ( قلبه هو ) السلوخ الجلد منذُ أول هبوط له في قفار الارض وحتى عودته الى ظلِّها العميق…
ـ والآن؟
الآن… في اللعبة / لا فرق بين المحارة والصَدَفَة…
أو.. ربما.. فرق..
الصَدَفَة التي ترقص على حافة عصب محارتها / تنغمر المحارة في لهفةٍ تحنُّ لنداءاتٍ جوَّالةٍ في عالمها المسوَّر بالكتمان والعتمة …
كهف الصَدَفَة وطوق التكتم والصمت الماثل في سقف المحارة وجوانبها / لتغفو الصَدَفَة …
ـ هل تغفو الصَدَفَة؟
هل؟؟ تغفو…
لكن:
مَن يرصد عصبها النازف؟
مَن يسمي أعصابها الملفوفة بصمت نهارها الليلي؟
مَن يمدُّ حافات أنامله لينبش غفوتها الشفافة؟
ها أنتَ …
ها هو الآخر …
مَن منكما الصَدَفَة؟
مَن ينبش عصب الآخر ويحوِّله الى لمعانٍ تتناقله الأصابع؟
أمس… أمس فقط… انتقل عالمك ـ المحاري أو الصدفي ـ لا فرق ـ الى وجود ممكن… ها أنتَ تقف عند حافة الابتداء… ابتداء في دائرية الزمان… ابتداء في أُفقية المكان… أو ربما هو ابتداء نقطة محبوسة في غيمة توقفت في فراغ / ترنو الى اعادة ربطها بجذرها القديم / وتمدُّ عصبها الى مسارها البدئي الجديد لكنها …
تقطر
تقطر
لتدفع
المطر
المطر
المطر
عالمكَ ظـلَّ يحلم بالمطر … ولكن
لا مطر …
لا مطر …
الرقم ـ 2 ـ
أنتَ تقف على قدم واحدة / العالم يقف على عكازة واحدة / ويضطرب لاصطفاق الريح بالريح / الريح التي تطير وتنتحب / العالم بأنيابه الصدئة / جموحه / كوابيسه / راياته … رايات القراصنة التي رفرفت بجمجمة وعظمتين ترتكز احداهما على عصبٍ نافر من الاخرى …وتسبح بتوالٍ مُدرَّبٍ على القتل في بحار من قسوة جوَّالة / طيور البحر الحائرة / المردة / وجه البحر / جبال / وديان / أشجار هرمة / طرق / أميرات / حُفاة / أوراق / نجوم / خبز وتفاحة / كلُّها تقيم على مداخل البحور / توغل في عمقها / تغتسل بزخة مطر مفاجئة دافئة / ثم تنسرب الى حافة البحر الاخرى لتركن الى حكيم معتوه نسيه العالم في وقتٍ ما… ويحلم ـ هو الحكيم ـ بأن يغيَّر العالم؟
أنتَ تقف على قدم واحدة / تتحطم تتقولب في نقطة مؤثرة على خارطةٍ ما… موجة دافئة من أشعة شمس تدفع بظلكَ المضخَّم الى جانب واحد / طرق تدخل اليها منسحبًا من عالمكَ، موغلا في عالمها الذي يدور ويلتهم كدوامةٍ في نفق مهجور… تائه عن زمانه… عن مكانه / قنوات من الشوك والصخور والجماجم وبضعة من حلم خافت / حفر صغيرة تشعُّ بماء الربيع وتسبح في وهجها أحلام طفل وابتسامة ربيع ينهمر ليودِّع…
ينحني العالم أمام صخرة ناتئة من سفح جبلٍ تطاول ترابه / تطاولت صخوره لتشرب ماء غيمة شاردة / العالم بدا الآن موحشا. . . متجلدا… خابيا… وأنتَ أليف مغلوب تدفع ببصركَ عبر وادٍ يتقعر ويُظلِم رؤاكَ … يحترق / ليرمي اليكَ ما يشبه النداء المشع: إلحقْ به بروتيوس * فالظهيرة تبدأ للتو… بروتيوس وجسده يغادر البحر ليغفو بين صخور الشاطئ وادعاً كعشِّ عصفور اختبأ بين أغصان تنفرش بضخامة ظل / يغفو برتيوس وتغفو معه النبوءة… تغفو اللحظات القادمات…
اِحلم ْ أن تمسك به أصابعكَ وتنطِّقَهُ… نبوءة إثر نبوءة ستنطلق مصوِّتة …
إلحقْ به… الظهيرة تبدأ للتوِّ… تنسحب الصخور بلا ظل… ويحكُّ بروتيوس نبوءاته… أحزانه… جسده … عائدًا الى البحر الغارق في عتمة هدوء وصمت محشوٍّ بالعواصف…
اِجلسْ الى حافة صمته… أو عواصفه حتى ظهيرة قادمة… قد يطفو بروتيوس فيها / فتمدّ أنيابك / أظافرك / مخالبك لتستجدي النبوءة التي أشرقت في ذهنه / ليعلنَ عن رقيم طيني اختزنته ذاكرته:
أراها مخالب رماحٍ ملمّعة / تمدُّ رغبتها في لقاء دمائه التي ستهبُّ على الرمال/ دماء أسد تستفز مخالبه دماء تحدِّقُ في بؤرة عينيه / يقفز مشحونًا / يصطدم بالهواء ورغبات النبال والرماح التي ينهال حقدها وطعنها / ينتصب الأسد / ينهال الحقد / المخلب يقطر ألما / العين تخبو / الأرض تغرق بالدم الحار … الرماح تلهث دمًا ونصرا… الأسد يتكوم في ضجة دمائه.
عند حافة النبوءة ارتمت عيناكَ… لتبكي… العالم يفقد عكازته… وأنتَ تقف على حافة أناملكَ…
الرقم ـ 3ـ
القمر في ليلة من لياليه قبل سقوطه في حوض ماء / صرَّحَ:
اِنسخْ لي قلبًا يحتضن نبضي / اِزرعْ لي خلية تمردٍ في عينيَّ أو فمي / انسخْ لي عينيكَ… ربما بكيتُ في عمقهما لحظة… ثمَّ… أتمردُ وأعودُ فارتكب أخطائي…
الماء بارد…
القمر… غادر مبتلّا لينكسر في زاويةٍ ما / نظرة عينيه صمتٌ مشدود الى سطور لوحٍ صلصالي محفور بحروف تقدحُ شرار النار والموت / سطور تلمُّ الموت من أزمنة مهجورةٍ وتقذف به الى ازدحام لحظة تمتدُّ بين النظرة
والذاكرة… هناك حين تركن النبوءة وقدرها الذي ينغمس في خصلات أعصابنا/ في أظافر أسناننا / في مخالب أفواهنا / ثم يركن القدر عند شاطئٍ مغمور يستمع لتراتيل النهر والليل والأحجار… لكنَّها عواصفه تفور دائماً من عمق نهر يثقلها الغبار والدمع / هذا القدر وعواصفه التي تخترم أعصاب نباتات ربيعية / تعبث بزوايا شوارع مسكونة بهمس المارة وصراخ السيارات / تجترح امتدادات السقوف الملطخة بالسواد… ثمَّ تخيّم مرّة مضافة عند حافة لسانٍ قَبَعَ في فمٍ مُعلَّقٍ بين الهدأة والفوران… لسان يخاف أن يبتلع النبوءة… فيعلنها:
يا بديل…
محشور أنتَ في ثقب باب يئزُّ… يرمِّش لكَ بتاج ومقعد أثريّ وصولجان
مُذهَّب… وأيضًا بحاشية كاذبة…
يا بديل…
ها أنتَ تُدرَّبُ لتركض في وجه نبوءة ورعدٍ وصاعقة تنتظر لحظة انفجارها / باب اللحظة ممهور بانغلاقٍ وانفتاح يعربدان / وأنت محشور وتتسقف بحلم عرش وتاجٍ وصولجان…
ويتأخر الحلم…
وأنتَ تقف على أصابع من دخان تبعثرَ على وجه أرضٍ جرداء… تنظرُ
اليكَ… أنتَ / منبوشًا / صائحًا في وجه نهار غريب / منبوشًا / لكنَّك… لا تزال قامة تفترع الهواء / لكَ عين صامتة ترقبُ / وعين تشرد في هدوءِ بكاء / لكَ ذاكرة صخَّابة تسأل الوجوه:
مَن يمنح وجهي مرآة؟
مَن يمنح جسدي نسخة اُخرى تواجه وجعي؟
مَن يعلِّق وجعي عند بوابة حلم يتجرَّد من البكاء؟
مهجور… أنتَ.. يابديل …
مهجور / تنكفئ ثمَّ تتسرب عيناكَ الى نهار يتسربل بالظلال / تهرب أصابعكَ من حلم مغلق الى باب ظننته مفتوحًا…
ـ أي باب؟
ـ وتسأل أي باب؟
باب مقبرة متعفن ينكث الصمت / يحشر الأجساد الدافئة الى برودة صدر أُمٍ حنون / الليل موحش يقفر من ضحكة أو بكاء / والأجساد الراعشة تخنقها هواجس غير معلنة / المقبرة تنتظر لتقاتل… لوح الصلصال يصرخ / تلتمُّ الآلهة / توقد نار الوشايات والهذيان والأسئلة… تعلن حالة انذار:
السُلالة …
انقذوا السُلالة…
الحاشية تهدر:
السُلالة…
انقذوا السُلالة…
يتجزأ الصوت ليتصدى ويمتدّ / يلتمُّ ويهدر:
آن لكَ يابديل أن تمهر الباب والعرش والحاشية
يستدير البديل ليراه ـ الصوت ـ منحرفاً الى اُّذنيه / يهرب منه / يتشتت الصوت … يتجمع … يلوب البديل لكنَّ الصوت يحرق منحدر النظرة وليس الأُذن… ليتساءل:
هل أُغافل صحوة النبوءة؟
هل أهربُ من صراخات ألسنةِ الآلهة التي تدفع بحروف حارقة الى فسحة الفراغ لتكوِّن رؤيا الزمن الدائر على عجلات من نار؟
عجلات تدفعها ويهبط الحرف صائحًا:
اطمروا الملك في غياهب الأرض لتحفظوا حياته
ادفعوا البديل الى فم الصاعقة ليتلقى شؤمها… عصفها… حرائقها…
منذور… للعرش / يابديل / أنتَ رجل ظليّ في شمس العرش والنبوءة / والملك رجل شمسي في الظل حتى تلقف الصاعقةُ البديل… لأنَّه… منذور لنبوءة تنسب الى جثث حجرية تنام واقفة…
تتلوى النبوءة وتصرخ:
منذور…
منذور…
والبديل تائه تعصف به الأسئلة:
أهو أنا مَن رأى الشاهدة تخفُّ اليَّ خطوها… لتسكب رائحة القبر في أعضائي؟
أهو أنا مَن رأى الغبار ينحني ليغفو بين جثتي وشاهدتها؟
عيناي… أصابعي تتبعثر… تقرفص في هامش لوح الصلصال… تتهجى انحرافات الخطوط علَّها تطوِّح بألغاز الحضور والغياب / غياب ملكٍ وحضور بديل / ونبوءة تدوِّي وحتف يلمع ويرصِّع الأكاليل… والعيون / حتف يطوف ويسطِّر أحاديثا وأحداثا مسقوفة بالخراب / ورمح يحتلُّ الصباح وتقاطع الطرقات وبسمة الأطفال…
وأخيرًا يتدثر بيباس أرض غادرتها ألسنة اللهب ولونَّها الدخان…
سكت القمر عن التصريح… وانزوى في عمق حوض الماء ليشرب…
ويبكي…





