مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
السرد الأدبي

في حضرة التفاهة – الحجرة والباب المفقود – نضال الخليل

شخص يجلس أمام مكتبة، يرتدي بدلة فاتحة ولديه لحية خفيفة، ينظر نحو الكاميرا بجدية.

هناك دائمًا حجرةٌ صغيرةٌ في داخل المدينة لا تعرف كيف دخلت إليها ولا تتذكر أن هناك بابًا لكنها تدرك أنّ الهواء فيها أكثر صفاءً من الخارج

 هذه الحجرة ليست مكانًا جغرافيًا بل حالة  –  حالةٌ من الانقضاض البطيء على معنى الأشياء

 في سورية كما في أي فضاءٍ مثقلٍ بالتاريخ والندوب تصبح التفاهةُ شيئًا شبه مادي — طاولةً صغيرةً في الزاوية، دفترًا فارغًا، ورقةَ إعلانٍ متكرّرةٍ تُعلّق كل صباح على بابٍ لا يُفتح تكمن المأساة ليس في التفاهة كفعلٍ عابر بل في كونها تتحوّل إلى قانونٍ يحدد كيف ينبغي أن يُحيا الإنسان

لا يطلبُ الوجودُ منّا كثيرًا –  أن نظلّ، أن نتذكّر، أن نُبقي على مقدورٍ ضئيلٍ من الحِسّ

 لكن التفاهةَ تسرقُ المقدور تجد نفسك تُجهِد في المحافظة على طقوسٍ تعتقد أنها تمنحُك معنى مثل ترتيب صورةٍ على رفٍّ أو حفظِ اسمٍ في قائمةٍ طويلة بينما يخبو السؤال الأساس:

– لماذا تُؤتى هذه الأشياء على هذا النحو؟

الأسئلة الطويلة تختفي لأنّ الحياة في زمن التفاهة لا تملك وقتًا للسؤال لديها مواعيدٌ للانطباعات فقط

أحيانًا يبدو أن المدينة كاملةٌ من دفاترٍ بيضاء تُدفع لنا لنملأها ولكن لا يُسمح لنا باستخدام الحبر نملأها بقوالبٍ جاهزة من الأفكار بصيغٍ قصيرةٍ تحترم القياسات ثم نضعُ ختمًا ونرسلها إلى صندوقٍ لا يفتح هذه هي الحكاية:

 إنتاجٌ هائلٌ لشواهدٍ لا معنى لها وتسويقٌ مستمرٌ لوجوهٍ بلا حكاية – الإنسان هنا ليس كائنًا يُبدعُ في ظروفه بل كائنٌ يُسجَّلُ في كشوفٍ إجرائية تُعدّ له حياةً مُثلىً من الليونة والسطحية

الذاكرةُ في زمن التفاهة تشبه آلة استنساخٍ قديمة تضع قطعةً من الورق فتخرجَ نسخةً مُقلَّدة بلا ظلالِ اللون الأول.

 نحن نتذكّر لأننا نُعيدُ عرضَ صورٍ قصيرةٍ لكن الربط بينَ الصورة والألم أو الفرح يختفي لا يعود التاريخ روايةً طويلةً تُنقّح أسئلة الحاضر بل مجموعة صورٍ مُقطعةٍ تُستعمل في لحظاتٍ دعائية أو تجارية هكذا يُصبح الماضيُ مُنتَحَلًا أو مُجمَّدًا والحاضرُ بلا سياقٍ يجعلُ منه أيّ شيءٍ آخر غير تفسيرٍ مؤقت

في مقاهي المدينة في الأسواق في صفحات الكتب المهجورة تُسمع كلماتٌ جاهزة «تقدم» «إصلاح»، «تطوّر»… تُنطق وكأنها ألحانٌ طقسية لكنها لا تسأل عن محتواها.

اللغةُ هنا تصبح آلةً لإملاء الراحة على الروح تُكرَّرُ العبارات لتجعل من السطح قاعدةً

 عندما يفقد الكلامُ طموحه في السؤال يفقدُ الإنسانُ طموحه في التفكير وتغدو الكلماتُ كأحجارٍ تُرمى في بركةٍ لا موج لها

أحيانًا عند منتصف الليل تستديرُ في الشارع وتظنّ أنّك رأيت بابًا تقتربُ تلمسهُ بيدٍ ترتعش فلا تجدُ شيئًا لكنك تعرفُ أن البابَ موجود — ليس كمدخلٍ مادي بل كإمكانيةٍ للسؤال

 ربما يكفي أن نُعلِنَ عن هذا الباب أن نُخبرَ بعضنا ببساطةٍ أنه موجود وأن نقبلَ أن نتأخرَ في الجواب في التأخيرِ معنى وفي السكونِ معنى وهكذا تتبدّل التفاهةُ من نظامٍ متقنٍ إلى ظرفٍ عابر إذا ما قررنا أن نعطي للحياةِ ولو لبضع صفحاتٍ حبرًا بعيدًا عن الطقوس

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading