محطةُ القطار، وذاكرتي: سوزان سامي جميل

يهبطُ الزمنُ بقوائم أربعة في ذاكرتي ويركضُ بي الى ماضٍ ملوّن بعشقٍ برئٍ للمكان..
كأنه لا يغادر المحطةَ حتى ألوّح له بإشارة الوداع؛ قطارُ الثامنة مساءً ذاك، يختفي حاملاً قلبي معه ليأتي به ثانية في السابعة من الصباح الذي يليه، أو هكذا كان يخيّل إليّ، فأعوامي المراهقة- حينذاك- محشوّة بالخيالات والأحلام والأمنيات.
أتذكّرُ شغفي اليومي بالقطار؛ أقفُ أمام الباب الرئيسيّة للبيت؛ يفصلني عنه شارعٌ مبلّط عريض وسياجٌ عالٍ قضبانه حديدية مدببة الرؤوس متقاربة ومدهونة بالأخضر الغامق.
“ألم تضجري من هذا الوداع اليومي للقطار؟!” تسألني أختي الصغرى وتزُمُّ شفتيها. تختفي فجأة، فأعرف أنها دخلت الى البيت، بينما أدخل أنا في الانتظار! أنتظر حزناً سيزورني فور غياب القطار وصفيره الأخير في تلك الليلة، كأن حبيباً طيباً ورقيقاً يصرخ أحبكِ أحبكِ… ويبتعد!
صفيرهُ القوي وعجلاته الحديدية التي دكّتِ السكّةَ والأرضَ تحتها غادرتِ المكانَ والزمنَ معاً، لكنها لم تترك مسمعي..
لوّحتُ له في إشارةِ وداعٍ ممتزج بأمل اللقاء الصباحي المنتظر، ودخلتُ الى البيت أخفي تَوقي وشغفي بعودته سالماً وربما متلهفاً لرؤيتي!



