ثوائره تُـعـلـقُ إلى مزاج ما / الرياح تقتلع الأسيجة ثُـمَّ تُـعــرّي ما يعترضُ امتدادها وتدفع به إلى وهج مُدبب يَخِـز رقِّـة تشبه الغلالة للأشياء / شمسه تندفع وترمي بصخب أمواجها إلى حفنة من ماء غـفا في عتمة ٍ عمياء { هل كانت حـقًـا.. عمياء } وربَّما ثارا معًـا وانتصبا قامة ً مفردة تعلن كيانها / حبّات من فضة حُــرّة تتقاطر ما بين جبل وجبل، تاركةً غيمتها تنشر ظـلًا كثيـفًـا من هدوء…
{ عـتمة أُولى }
العابرون والبطّـالون والكلاب التي مُنحت جوازاً لإيواء مشرَّد، مسنودون إلى رأس حربة اسمها الوقت، يعاركون ذواتهم ولحظاتهم، لكنَّهم مع ذلك يشدّون الرؤوس والظهور بأحزمة من هباء، ويتحذرون مثل عابري مزنقٍ ثلجي / النملة العرجاء ذاتها تدوخ ببقعة سقطت عليها – ربَّـما سهوا – من مبيد مُـعسّل، وأُخرى تتلقى صفعة اصبع تتضجر { اعـلنْها هل كانت سهـوًا أيضًا }؟
ضوضاء الهوس تضجُّ ولا تخـفـتُ، تركن إلى جدار من صلابة هـشَّة يعلو مرتفعًـا من أجسادهم / الأمراض تقلّـِم أظـفار فـتكها لنبش يشتهي الأقلام الكسول / وجه البحر يعابث نوارسه ثُـمَّ ينشر رائحة صَلبها، ويدفع الأسماك إلى تراكضٍ جائع يهبُ العتمة للوجه الأزرق السائل / يُروِّض له هجومه الذي يكتسح مناعة ريشها { اقصدْها النوارس… أم هي الكلمات؟ } ويدفعه لانتشارٍ مُـلطَّـخٍ ومطلق الاتجاه ما بين طوفانٍ على وجه البحر أو ركود في أمعاء ما… بعيـدًا… بعيـدًا… عن السَّماء!
اليوم المرقوم ذاته
{ عتمة ثانية }
أشجاره أعواد مخاتلة سحبت خضرتها وغـلـَّقـت الأبواب / غربانه بيضاء داكنة / نجومه لا يتطـرّق إليها شعاع نور، ولا ينفذ منها ما يشي بالضياء / القامات إيَّاها وتجاعيدها التي تكيد وتمكر / الأفكار الصدئة المخلوعة من عروش أيام ولَّـت / ألسن تدور… تدور.. وحين تعود تلبس ثوبًـا آخر لمغادرةٍ غادرة تستعدّ…
{ ضوء آخر }
ماذا يفعل إيَّاه في فُلك مشحون؟
يتأجج الموج النابع من عينيه ثمَّ يتنافر ويترافس ليدفع عيونًـا ما إلى البكاء / أو ربَّما ليشهر الحراب الحُمر لجولة أُخرى / ويمتدُّ المحيط… يتوسّع ليفتح فاهًـا عذبًـا لدوامةٍ يسمّونها الارتشاف أو الارتجاف…
والآن…
الشمعة بلهبٍ أزرق / المنضدة بمفرش بندقي / الأصابع – الذاكرة اشتعالات خُضر / فماذا يخطط على أوراقه السُمر العارية؟
ألبسها ثوب حرف لهجوم مثلاً؟ أم هو عرض لرؤى وتأسيس لتنظيرات؟
هل بقي من الأقوياء مَن يعلن له قبضة أو ابتسامة بأنياب؟
لِمَن أول القراءات؟
له؟
هو الراحل الممتدُّ بأنفاسٍ تفترش الذاكرة والبصر / فـقأ عين شمس الظهيرة… وحين اصفرّت مُودّعة هبط على سرير المغـفى، ليرحل معها إلى الغياب ، تاركها مصاطب آلهته تبكي شواهد مدنها وعصفورها النازف أبدا، تُـدوِّخ شاحنة لم تعرف ماذا ضمَّت جوانحها / ضمَّـتك أنتَ / الضمائر / التسميات / المراكن / لمـلمـتَها ونسجتَ منها أساطير ارانجا وشرقاط ونينوى / أرَّخـتَ لها اشراقها وخفوتها، ورميتَ بها إلى بحرٍ أعشابه حيتان صمّاء، رفعت أشواكها لاقتناصٍ أرادوا له أن يكون غادرًا / لكنَّها الآلهة من هالات { عصر المدن } في { ليلة اصطياد الشمس } تمدُّ عينًـا ترنو إليك / وإلى حروفك التي تظـلُّ نثارًا مباركا / أو ربَّما سلّة للمفاجآت!
لِمَن أول القراءات؟
للآخر؟
الآخر المتقـلّـب مع انقلاب الورقة الخضراء في تأريخ مسيرتها المثمرة بين جهة تصديرها، ويده التي يـظـلّ تلهث للمسها وزمِّ الأصابع على فوحان بريقها، اصفعه أو…. اصفعها أفكاره بكارت أحمر القسمات أو ادفع { نعم، افعلها } لعينيه خرقة بيضاء يكمن خلف بلاهتها سهمك النافر .
يوم مرقوم آخر
{ عتمة تغامر }
تطـلّ الأشياء – تلك المسميات الباردة – وهم مازالوا هم، يتقمصون ما يدّعونه آلاماً فكرية تتمرّن في ثنايا أجسادهم، وتعلن تعذيبات تنفر مع شحوب الظلام، لتجوس الأجساد وتغرس أوهاماً سمراء / رؤياهم تتصدأ / صمتهم لا يتصدى / يترقبون بقلوب خافـقة كعابري أدغال نهارية / مجوّفـون كالأنفاق الموحلة ببقايا المدنية / الأثر والآثر توأمة لم تنحفر / الأُصبع والكلمة توأمة أُخرى لم تنحفر على الامتداد الأبيض الصقيل، لكنَّهم مع ذلك يعصرون حناجرهم ويصغون عـلَّها تطلق إيقاعًـا ما / ولكنَّه الشخير يرّن لحنًـا فاجعًـا يدفع بهم إلى مصيدة حقد لإيقاعاته المتفردة دائمًـا….
ما زال أحدهم يغامر في عمق زمنه / ويوميًـا يفترسه حلم: { يجدل خضرة سيقان نباتية تفوح ليونتها، ويرزم رسائله ليضعها داخل العقدة الخضراء، يرتّـل لها أقاويله، ويسقيها طلاسم شعوذة توهَّـمَ بصدق حراستها له } ..
ويمضي هو… وتمضي السيقان برسائلها لزوالٍ أصفر جاف.. أصفر تمامًـا / وتبقى اللحظة فراغـًا يرقب مسار الزمن القابل للامتداد أو الارتداد… لا فرق… وتبقى موجة يومياتهم تدفع خطوطها المستديرة وتحلم، ولكنّها لا تفهم.
{ إعلان عن عتمة }
يتحفّز غيار من تركيب آخر لاتصالٍ يفترضه / ينتظر اللحظة لانقضاض محكوم بارتسامات أُولى، أو ربّما بطفولة تفرش غباءها وتكمن خلف امتداد يرتفع بقامة الغيار الجوفاء إلى الفراغ / قامة ملوّنة تتبرقع بخواءٍ لم يُعلَن عنه بعد { لِـمَ لَـمْ تـَقـل: تكررَ الإعلان عنه ؟ } موجة متهدلة هي ما يدفع قامة الامتلاء إلى الخواء، وتظلُّ هذه وتلك مُعلّقتين بين: عدمين!
ادفع به { إعنيه الغيار } إلى منحدر ٍعَــلَّ أرضًا ما تفتح فمها المغلق وتبتلعه عدمًـا منتظَراً، أو امنحني إيَّاها قامة الخواء لأضعها في نقطة هائمة في زمن مجهول…
ادفع به كل غيار آتٍ إلى مقصلة المزاج / علقّه في ركن مغبّر من مدينة يُلوِّث الأغراب والعاطلون والمفقودون هواءها بأنفاس لزجة.. في يوم.. لم يعُد مرقوماً…
{ العتمة تحاصر }
ابذرْها تلك الرئات في عفونة ترابٍ ما، انفخ في شعابها ما أشعث من أنفاس، ثمَّ قُـدها إلى ما يشبه الحوار الداكن الموحش / دعه يفترش مساحات تتوحش ثمَّ يطير إلى كهف خاطئ تُلطِّخ أركانه عوالم لم تنشأ بعد!
ابذرها تلك العيون المفصولة عن تواريخها لتصبح نقطًـا داكنة في خط استقامتك المرقَّـط … وتلك التقاليد وطقوسها الشاحبة الخافتة التي ارتهنت إلى محاور برّية الأنساق، ربَّما الآن تحاول قرع جدران ذاكرة خَمول، وتمدّ عيونًـا إلى بواباتها الخشبية الكسول، وهي تئنُّ حين يُـزجُّ بكيانها إلى انفتاح تذكّـرٍ أو انغلاق.
ابذره ليل الرئات ليتهاوى ويعاود ارتخاء قَـنوطًـا في ظلِّ نجوم ماتت، لكنّها ظلّت معلّقة في فراغ دمعة لوجه واقع كسول، تتحرّك صور العالم دون أن تشمله، وغالبًـا ما تُـسقِط إلى الكون عيونًـا تموت ضحكاتها وتثـقـل بواعثها وأدلتها وحتى أساطيرها، عيون…….{ بل قُـلْ: رئات } تُـخـلِّد فيما يبدو عدمًـا لكنَّها تنتسب إلى ما يُدعى.. الوجود.