شارع المتنبي: بورتريه صورة بألف – ليال الحربي/ العراق

مملكة لم -تعرف من العقل سوى اسمه المتداول في الخطب حيث تُهاجم النُصُبُ من الطيور وتتحول النُصُبُ نفسها بفعل الإهمال الطويل إلى مراحيض عمومية وفي مكان يُدعى ‘شارع المتنبي’ الذي أُريد له أن يكون معبدا للكُتّاب والقرّاء تتجاور اليوم الدولمة مع الأغاني التراثية وتحرس المشهد شرطة لا تعرف من القانون سوى رسوم البلدية ولا ترى في الفوضى سوى نشاط سياحي أسبوعي.
أُطلق اسم المتنبي على الشارع في ثلاثينيات القرن الماضي، حين كانت التسمية تُحسب ثقافة. وفي السبعينيات، شُيد له صرح برونزي من أعمال محمد غني حكمت واقفا كما ينبغي للرموز هكذا اكتمل التكريم، اسم ثم تمثال. النصب كانت حلما قوميا لمغفلين رحلوا. تمثال المتنبي متروك للريح والغبار، لا أحد ينام تحت نصبه فالامتياز الحصري للنوم محفوظ لتمثال أبي نواس، لا لشيء سوى أن شاغل الناس تحول إلى مبولة عمومية من قبل المشردين والكحوليين ليلا.
شارع المتنبي، لا يعرف الحركة إلا يوم الجمعة تلك هي خريطته المنهجية المعتمدة. صباح الجمعة، يأتي مثقف الشارع مبكرا ممتعضا من رائحة البول البشري المحيطة بنصب المتنبي ممسكا بزجاجة ماء نصف فارغة، يملأها من الحنفية وينظف ما يمكن تنظيفه. يترنم شِعرا وهو يفرك قاعدة التمثال: الخيـلُ والليـلُ والبولُ يَعرفُني….. في هذا الشارع، المسمى على اسم شاعر قال ذات يوم في منتصف القرن العاشر، عندما كان سيف الدولة الحمداني حاضرا في الشام “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي…”، صارت الكتب فيه واجهات خشبية يشتريها من لا يقرأ ويبيعها من لا يعرف عنوانها.
يتناول المثقف فطوره المجاني من أصحاب (النقليات) في الرصافي بدافع الثواب. مثقف المتنبي يتحدث عن كل شيء ولا يؤمن بشيء، يشرح لينين وستالين بيقين الواعظ ويبشر بالشيوعية ويتناول الإسلام بلهجة الفقيه والمدنية بثقة مؤسسها والمسيحية بنبرة مبشر ، يمرّ على طوائف العراق كخبير خرائط لا يسكن أرضا، يفهم الجميع ويصفق للجميع ولا يلتزم بأحد، مرجعٌ في كل شيء إلا في الشك بنفسه ولو سُئل عما يؤمن به حقا لقال مطمئنا: أنا أشرح إذن أنا موجود. أشبه بدودة أرض لا يوقفها حر آب أو برد كانون وحين يعلو صوت الخادم الحسيني يغني:
ـ ميحانا ميحانا… يابا هاي لفة بثواب الحسين
يرد عليه المثقف بوجه شاحب قائلا:
ـ عظم الله أجوركم
ثم يسأله لاحقا، بعد انتهاء موسم محرم:
ـ حرامات، خلص محرم، فيرد عليه الخادم:
ـ يابه ليش؟، يجيبه وهو يتأمل الدولمة:
ـ بعد ماكو دولمة. فيشتري له چرگ وكلاص چاي، فلسفة القناعة حين تفلس.
الحاجّ الثقافي إلى مركز الاستعراض البغدادي من سكنة المحافظات، يحجّ إلى شارع الثقافة استكمالا لطقس اجتماعي معترف به، يرتدي قميصا بنفسجيا فاتحا وبنطرونا قماشيا وحذاء أسود لامعا من ماركة روغان، يُعلن حضوره بصوت فيط…فيط. إن كان فلاحا فأُموره مستقيمة ببركة المحصول وإن كان موظفا أو عاملا فقد عمل من السبت إلى الخميس ليجمع الأجرة أو ليستعيرها أو ليقتطعها خِلسة من جيب الماما والبابا والأخت، فالثقافة لها كُلَفُها. عشرةُ آلاف دينار للوصول إلى بغداد وعشرة أخرى للرجوع وتبقى خمسةُ آلاف تُدار بحكمة الزهاد على سندويشة فلافل واستكان شاي وصورة بألف مع أيقونة برونزية، إثباتا فوتوغرافيا على أنه كان بين العباقرة أو مرَّ بمحاذاتهم. وعند العودة إلى البيت يصبّ له العشاء لأن الغداء لم يكن موجودا أصلا وحين يُسأل تكون الحجة جاهزة: صاحبي عنده خطوبة. هكذا تُؤدى الثقافة سِرا ويعود المثقف شبعانَ صورة، فارغَ المعدة مطمئن الضمير.
يأتي مثقف آخر أنيق حاملا الكتب لأغراض استعراضية، يضع كتابين أو ثلاثة تحت إبطه وتبقى هناك حتى نهاية النهار. عندها يتشرب الغلاف عرق الإبط وتفوح رائحته ويكون الكتاب قد أدى وظيفته كاملة شاهدا على الاستعراض المترف لجيب فارغ كأنه يخبرنا: عودك شوفوني، أنا مشتري. لا يفتحها، لا يقلب صفحاتها المهم أن تُرى.
النظام الغذائي للثقافة غير المنتِجة يتجسد في مثقف يشرب عصير ‘زبالة’ في شارع الرشيد مقابل ‘كعك السيّد’ ويأخذ منه كيكة بربع دينار بينما عصير زبالة بألف دينار، بتفاليس دينار يكتفي بغدائه؛ فالثقافة لا تطلب أكثر من ذلك وإن احتاج إلى وجبة مالحة انزوى إلى مطعم فلافل بين الميدان والمتنبي، المطعم بلا اسم قائم منذ الثمانينات إلى اليوم. يكدّس المثقف المقبلات أضعاف حجم الصمونة والناس تأكل بشراهة أزمنة الحصار “مشايف وشاف”. بغدادُ العاصمة هي لُبّة الجريذية، تغوص في زيت الفلافل وتخرج
فيكون الزيت هو السر الذي يُحلي الطعم ويجعل المثقف يعود مرة بعد مرة.
لا تسأل عن كتاب هنا إلا لتتعلم درسا عن السمسرة:
في مكتبة البياتي تستقبلك امرأة أربعينية، متأنقة بتهذيب مصطنع ذات طلة برجوازية صغيرة، ناعمة المظهر، تعمل في مكتبة والدها للنشر والتوزيع، ترتدي بنطالا ضيقا وتحشر هاتفها في الجيب الخلفي كإعلان صامت عن حضور لا علاقة له بالكتب. تسألها عن عنوان محدد ‘ابن كثير’ مثلا تبتسم، تختفي دقائق ثم تعود بالكتاب من مكتبة أخرى لتبيعه لك بسعر مضاعف. هكذا تُدار الثقافة سمسرة بوجه ودود، وهناك أخرى تمتلك بسطة كتب، ترتدي ما تشاء فاللامبالاة مبدأ. النهد نصف معلن بطلة ( دبل قمارة) والمكان مسرّب والضجيج أعلى من العناوين. سماسرة الوعي هذه لا صلة لها بالكتب إلا من حيث إنها تشغل حيزا يمكن الوقوف أمامه.
صباحا تنتشر جماعات الموسيقى القادمة من مدينة الطب إلى الرصافي، شعر مصبوغ، آلات موسيقية، أغانٍ مكرورة، ضجيج يصلح للعرض في متحف الفوضى البغدادية. عقابٌ روحي للناظر لا متعة فيه سوى إثبات أن المكان ما زال حيّا بالضجيج. يعبر آخرون _البروليتاريا الرثّة_ الجسر محملين بمسابح ومحابس وصناعات يدوية. في الأيام العادية يتواجدون في الزوراء وفي يوم الجمعة ينتقلون إلى المتنبي. مخلوقات قذرة تتحمم من جمعة إلى جمعة. وفي الأزقة المليئة بالمطابع، تُمارس مهن أخرى تحت غطاء المعيشة وتؤدي وقوفا. في الشارع عرباتٌ لبيع العصير، تتقطر الخباثة منها تقطيرا نحسا على العربانة كأنها بركة نازلة من السماء، وعلى باب الشارع تقف الشرطة تجمع ‘الدخولية’من الأكشاك، في مشهد بالغ الانضباط والنظام قائم تماما كما ينبغي.
الكادر الكرنفالي الطفيلي(الصورة بألف)
تراهم يتقمصون شخصيات كرتونية، يخرج أحدهم كأنه انتزع توا من كتالوغ الطهارة الوطنية بدلة بيضاء، قميص أحمر، رباط أبيض، قندرة بيضاء، جواربُ بيض ودراجة نارية بيضاء لا لون ينجو. دراجته محماه بورود صناعية ويزورق مقدمتها ومؤخرتها بهذا الورد الصناعي. تجاوز عمر الجدّ كأن الزمن عنده تكلس. صورةٌ بألف نهارا وليلا حارس في مقر للحزب الشيوعي، يحرس ما تبقى من فكرة ماتت واقفة ولم يُخبروا أهلها.
من الصبح يشغل نغمات: الحياة حلوة بس نركبها، والمارة من جنبه لم يتناولوا فطورهم بعد، يتفادونه كما يتفادى نشيد وطني في غير أوانه. يضع سماعات كبيرة ويصدح منها غناء فريد وأسمهان كإعلان نهاري عن وجوده فبعض البشر لا يثقون بوجودهم ما لم يوقع موسيقيا. العقاب الأرضي الوحيد الذي يليق به هو أن يعلق على عمود إنارة ويصرخ معجبو اسمهان تحته: لبيك اللهم لبيك. إلى جواره “الحجي العفطي” كهل متقاعد، يتصور معه الناس دقيقة كاملة وهو يغني: خالة شكو شنو الخبر، دحچيلي، ويجرّ الأوي ككمنجة. والثالث لا يُعرف إلا بصفته أخ قحطان العطار والرابع خطاط يرفع لافتة مكتوب عليها “كلا للحكومة” من الصباح حتى الظهر، واقفا تحت الشمس، والناس تلتقط الصور معه فيما تفوح منه رائحة احتراق اللحم. والخامس يلف رأسه بچراوية، صاحب ترند #الاورنج_قولنج، صَنّة ورنّة ابتغاء الشهرة فيهرع الناس للتصوير.
جميعهم تجاوزوا الخمسين والستين والسبعين.قومُ قينقاع المعاصرون، لم يحترموا الشيبة التي خطّت في وجوههم،
زُبدةُ مجتمع أدمن الفشل وتغنى به.
المتنبي والمنظمات الإنسانية:
في وسط الشارع، يقف رجل وامرأة كلاهما يرتديان صدرية بلا أكمام باللون نفسه، المرأة في الأربعين من عمرها وهو عمرٌ تعلمت فيه كيف تُخفي الخسائر لا كيف تمنعها. صبغت شعرها باللون الأسود بعناية اقتصادية. ترتدي ثيابا ضيقة، بنطرون جينز وكنزة ضيقة سوداء، كان مظهرها يوحي بحيوية لا يصدقها إلا من لم يختبر الزمن. أما وجهها المليء بالملامح الممسوخة بأثر الشمس والمناخ والنوم في الشارع فقد حمل آثار معارك خاضتها مع المرآة وانتصر فيها الواقع وإن شُبهت بالوزع/أبو بريص كان في ذلك ظلما له.
إلى جانبها وقف شاب شاحب في العشرينات من عمره مصاب بفقر دم مزمن، مثل فراغ طال يبحث عن جسد يسكنه، بدا كأنه أُحضر ليُكمِل المشهد. لم يكن له رأي في شيء وهذا ما جعله صالحا تماما للمرافقة. هذا العنصر الفارغ بلا وزن سياسي يؤدي وظيفة جمالية صِرفة، لا يحل ولا يربط ولا يُراد له أن يفعل. قطعة ديكور بشرية، فاصة بين جملتين، إذ إن القرار كل القرار بيدها وحدها.
هي، عنصر صغير بورجوازي انتهازي، تعمل في هامش الثقافة لتدويره. لوجودها لا خطر بذاته لكن تراكم أمثالها هو ما يفسد الهواء. لا يعملان مع المكاتب ولا الحمالين، فذلك عمل شاق. عملهما الحقيقي هو المارّ. يعرفان كيف يفرزان الناس، مثلا هذا رائد لا يُرجى وذاك غريب يستحق المحاولة وحصة الأسد كما في كل الأنظمة العادلة، للغريب.
فإذا مرت فتاة تطلب التبرع للحالات الإنسانية أخرج الشاب النقود بلا تفكير مقتنعا بفضيلته بينما مال التبرع يذهب مباشرة في جيبها الخاص.
تقضي نهار الجمعة في شارع المتنبي، تمارس شكلا محدثا من الشحاذة، ممهورا بختم المنظمات الإنسانية. لا تخاطب الروّاد فهؤلاء يعرفون اللعبة وحفظوا حركاتها عن ظهر قلب إنما تتقن اصطياد الغريب. أصحاب المكتبات وباعة الأرصفة يعرفونها حق المعرفة فهي جزء من المشهد، عنصر ثابت لا يثير الفضول مثل الأرصفة نفسها موجودة مُستهلكة ولا أحد يتساءل متى وُضعت هناك. عند الغروب، تنتقل إلى متنزه الزوراء حيث تستمر الشحاذة باسم الإنسانية حتى منتصف الليل. ما إن ينطفئ آخر مصباح إنساني حتى تجد لنفسها دورا آخر، لا علاقة له بالمنظمات لكنه يدر دخلا أكثر انتظاما وفي بقية الأيام تتنقل بين الأزقة نهارا مرتدية عباءة ونقاب أسود رافعة شعارا نبيلا “خمسة آلاف لليتامى”. وهكذا تتبدل الأزياء لكن اليد تبقى ممدودة.
من حيدرخانة إلى أبو سيفين ومن قنبر علي إلى دودو إلى ما بعده، تأكل وتشرب وتنام في الشارع. لا تملك سريرا وسادتها كرتونة وبنطالها الذي تفوح منه رائحة البول يُستبدل كل شهرين أو ثلاثة إذا تلف. لا أهل، لا فصل لكنها موسومة على حساباتها الإلكترونية بصفات فخمة (قانون/ محامية/ إعلامية/ناشطة حقوق الانسان).
وبالمال تتحقق المعجزة وتُستأجر لتصبح (ناشطة، مدونة، حقوقية، نسوية. إعلامية). سلسلة ألقاب تتبدل أسرع من الضوء وكلها تليق بها لأنها لا تتطلب أكثر من لسان مرن. كل الأدوار تليق بها؛ لأنها تجيد الرقص على أي نغمة والضرب على أي طبل. بلسان الـ بَلَلَمْ.. بَلَلَمْ
قابلة للقضايا تُستدعى عند الحاجة وتُدفَع لها لتغضب لتتهم، لتبكي لتتظاهر ثم تُعاد إلى الهامش حتى إشعار آخر.
مع غروب الجمعة
في نهاية يوم الجمعة يعود مثقف المتنبي إلى منزله بعد ما أكل صحن دولمة بألف. تنام اللقمة على قلبه محدثة اختناقا فيتأكد حينها أنها دولمة عراقية أصيلة. إن احتججت على منظر قدر الدولمة فسوف يحدث اعتصام الدولمة، احتجاج الدولمة، مكافحة شغب الدولمة.
منذ ثلاثينات القرن الماضي، كان شارع المتنبي للكتب لا الصور. كان يزدهر في الجمعة ويشهد حركة تجارية حقيقية مع بدء الموسم الدراسي. طلاب الدراسات العليا يأتون لأخذ المصادر بسعر زهيد. الدروع التذكارية، الأدوات التعليمية، الليزرات، الباجات، أثاث المكتبة كلها من شارع المتنبي لا شارع الدولمة.
واليوم، شارع تفوح منه رائحة الأكل لا الورق، شارع لتجريب الأكل لا مطالعة العناوين، الدراسات العليا تُشترى كالدولمة، الدواوين تُسعّر كالسجائر المهربة والأطاريح تُوزن بالكيلو كما تُوزن الطماطم في سوق الجمعة.دراسات عليا بكذا سعر، قصيدة فصحى بخمسة آلاف، ديوان بكذا والنتاج؟ صفر. مقهى الشابندر؟ قفاصة گلاص چاي بخمس آلاف بلا أي نتاج وقبل عام ١٩١٧ كانت مطبعة واليوم مقهى للشاي. وهكذا، يا عزيزي القارئ تكتمل صورة المتنبي في القرن الحادي والعشرين.
وبقي فقط أن نقول كما قال بانجلوس في كانديد
“كل شيء على ما يرام في هذا العالم الجميل.”





