الأزرق النابض – قراءة في لوحة (ذكريات حيّة) للفنان ليث عقراوي


د. وجدان الخشاب / العراق
عرفتْهُ نينوى مدرِسًا، كما عرفتْهُ فنانًـا، لكنَّ الفنان كان هو الأكثرُ حضورًا سواء في ذاكرة نينوى أم في ذاكرة فنانيها وذاكرةِ طلبتهِ أيضًا، والمتتبعُ لما عَرَضَ من لوحاتهِ في معارضهِ العديدة الشخصية أو المشتركة داخل العراق وخارجه، يلاحظ أنَّ ليث عقراوي فنان متجدد لا يعرف حدودًا لتجربتهِ، فأعماله تحاور السريالية مرةً، وتحايثُ الواقعية مرةً أخرى، وتميل إلى التجريد الذي يعلنُ تشخيصًا بسيطًـا لإخراجها من غموضها مرات، وفتح ثغرات للمتلقي لينفذ منها إلى دلالات اللوحة، فينفعلُ بها عبر عناصرها المتموضعة فيها والمتخذةً أشكالا مُعبّرةً، وما يميز تجربة الفنان ليث في لوحاتهِ هو قدرتهُ على التعامل مع الألوان، التي تُعايش أصابعهُ وذاكرته لتنفرشَ على قماشة اللوحة خاضنةً دلالاتها بشفافيةٍ ولمساتٍ يقف أمامها المتلقي قارئا لها، ومنفعلا بها، ولعلّي في وقفتي السريعةِ هذهِ في رُحبةِ تجربته، سأحاول أن أقرأ لوحته ( ذكرياتٌ حيّةٌ) التي كانت من نتاجاته لعام 1999م، والمنفّذة بالزيت على مساحة (65/80 سم)، فماذا أرادت هذه اللوحة أن تعلن؟
يميلُ الفنان أحيانًـا في لوحتهِ إلى اتخاذٍ مركز للسيادة يبدأ منه رحلة انطلاقهِ في تشكيلها، فيما يميلُ آخر إلى فكرةٍ تعتمد اللوحة كلها مركزًا للسيادة، ومن خلال ملاحظتي للوحة ( ذكريات حيّة) وجدت أنَّ الفنان ليث اتخذ من سندانة زرع النباتات مركزًا لهذه السيادة ينطلق منهُ، ويحملّه دلالاتٍ عدّةٍ تنبي عليها طروحاته، فالسندانة موجود جمادي من موجودات الواقع العياني المُعاش، يتعاملُ معها الفنان وغيره، إلاّ أنها هنا تحوّلت إلى حاملٍ لبؤرة التركيب الفني، فهي أولا تتخذ من متوازي المستطيلات شكلا وجوديًـا، وهذا الشكل بأبعاده الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع) إنّما هو مركب من المستطيل المتكرر، فهو إذًا متحوّر عن أصل واحد هو المستطيل، وشكّل تجمع المستطيلات ذات البعدين كتلةً ثلاثية الأبعاد تحوّي في داخلها كتلة رملية وثلاثة أغصان، فالكتلةُ الرملية هنا إشارة واضحة إلى أنَّ عناصر الحياة موجودة، حيثُ أنَّ الرمل هو أصل الموجودات كلها، ونواةُ تكوّنها، وكما أنَّه يؤدي وظيفته في احتضان الحياة واستمرارها، فهو هنا أيضًا يؤدي الوظيفة ذاتها؛ لكونه قوّة الإمداد التي تمنح الأغصان نماءها، من هنا يمكن لي أن أستنتج أنَّ قوة الحياة واستمرارها تُشكٌل هدفاً مُعلناً في فكر الفنان ليث عند انجازه لهذا الجزء من اللوحة، فضلا عن أنَّ الأغصان النابتة فيها متوسطة الطول وليست حديثة الولادة، مما يؤشر عمرًا زمنيًـا لها، ولكنَّ هذهِ الأغصانُ لها ميزتها الوجودية هنا، فالغصن الأول أطول من الثاني، واتخذ الاعلان عن وجودهِ سمةً لهُ بانحنائهِ أمام السندانة، وامتدادهِ إلى خارج محيطها ليستلقي تحت ضغط ثقل الورقة النباتية الوحيدة لهِ، أمّا الغصن الثاني فقد بدا مختبئا خلف الحافة الجانبيةِ للسندانة، لكنَّ ورقته الوحيدة أعلنت عن حضورها بزحفها الجريء لتظهر هي الأُخرى أمام السندانة.
من هنا يمكنني تأويل وجود الغصنين بكائنين بشريين، الأول منهما يعلن عن حضوره، والثاني يختبىء، إلاّ أنهما تعبا من هذا الحضور، وفقدا جزءاً مهمًا من سبب استمرارهما واقفين فانحنيا أمام ضغوط الحياة، ولكنهما لم يستسلما، لأنَّ الثابت في المشهد الحياتي الطبيعي أنَّ النباتَ يموتُ واقفًا، كما أنَّ الورقة الخضراء النابضة بالحياة تتموضع في رأس الغصن، مما يملك تأشيرةً مضافةً على قدرتها على الاستمرار في الحياة سواء لوجودها هي أو لوجود الغصن بأكملهِ.
أمّا الغصن الثالث فهو الأضعف والأصغر والفاقد لمؤشرات استمرارهِ بالحياة التي بدت قصيرة جداً قياساً إلى الغصنين الاخرين، مما يمكن لنا أن نؤلّه بطفولةٍ مفقودة، ولكنها تطبق القانون الطبيعي في أنَّ النبات يموتُ واقفاً، مما يؤشر وضوح فكرة الحي-الميت الضدية التي يعلنها الغصن الثالث بوضوح.
عمد الفنانُ في هذهِ اللوحة إلى موقعةِ السندانة بموجوداتها الرملية والغصنية في المكان الأقرب إلى المتلقي تاركًا فراغًـا أمامها، والفراغ أمام مركز السيادة يقوي أحساس المتلقي ويشدُّ بصرهُ اليهِ، وجماليةُ هذهِ الموقعة إنّما تكمن في وجودها في الجزء الأيمن الأسفل من اللوحة، مما يمنحها فراغًـا جانبيًـا أيضًـا، وهنا لا بُدَّ لنا من وقفةٍ مضافة تعلنها ارتكان السندانة على ورقة تشبه أوراق الكتابة وأكبر من حجمها تنفرش تحتها، فهي لا تتموضعُ على الأرض مباشرةً، مما يشيرُ إلى أنَّ هذهِ الورقة قابلة للتأويل على أنها رمز لرسالةٍ جمعت الغصنين (الكائنين الانسانينِ) بدليلِ استلقاءِ الغصنين عليها، إذًا ما جمع هذين الإنسانين هو ورقة يكشف لونها عن دلالتها، وهو هنا الأصفر المُغبر الذي يؤشر بُعدًا زمانيًـا أولا، ويؤشر عاطفةً قلقةً غير مستقرةٍ ثانيًـا، كما أنَّ وعي الفنان بأهمية هذهِ الورقة التي تمثِّل رابطًـا بين الإنسانين، دفعه إلى موقعة السندانة في الجزء الأسفل للوحة وليس وسطها أو أعلاها، وهذا ما يؤكّـد على أنَّ الرابط هنا كانت ورقة أو رسالة مفتوحة، يمكن للمتلقي أن يقرأ منها ما يشاء أو ما يتوقع أنّه كان مكتوبًـا في نصفها الأول، أمّا ما هو مكتوب في نصفها الثاني فمسكوت عنه، لأنَّها تختفي تحت السندانة فتنغلق دلالتها عن متلقيها، مما سيدفع به بالتالي إلى أن يلجأ للخيال فيكتب نهاية قصةٍ حزينة.
والآن لا بُدَّ لنا أن نتساءل: لماذا اختار ليث عقراوي جزءاً من غرفة فارغةٍ من الأثاث؛ ليموقع فيها هذه السندانة والورقة؟
في الواقع العياني المُعاش تُشكّل الغرفة تكوينًـا عازلا، يمنحُ الفرد شيئًـا من الاستقلاليةِ والعزلةِ بعيدًا عن رقابةِ أو ضجيج الآخرين، كما أنَّها ولابُـدَّ أن تكون مؤثثة؛ ليتمكن هذا الفرد من العيش فيها، لكنَّ ليث أفرغ هذه الغرفة من محتوياتها؛ ليمنح السندانة حضورًا أعمق وأكثر دلالةً، فالمتلقي هنا سيظلُّ مشدوداً إليها لأنَّها بؤرة الحدث أولا، ولأنَّها قابلة للتأويل بكونها ذاكرة الفنان التي أفرغت محتوياتها بعيدًا، وتركت فيها هذه الذكرى الحيّة النابضة فقط.
إنَّ التأويل حين يعتمدهُ المتلقي إنّما يكونُ قائمًـا على معطيات زرعها الفنان في لوحتهِ؛ لتكون نقاطًا مضيئةً يتابعها المتلقي فيتمكن بالتالي من بناء رؤيتهِ الخاصة لدلالات اللوحة، ومن هذه الاضاءاتِ ما نجدهُ في هذه اللوحة من ابداع ليث عقراوي في إيجاد معادلٍ للسندانةِ ألا وهو ظلّها، الذي يتخذُ من سقوطهِ على أرض الغرفةِ وجداريها موقعًا لهُ، والظل هنا محكوم بوعي عميق حيثُ عمد الفنان إلى تقسيمهِ ال ثلاثةِ أجزاء: الجزء الأول يسقط على الأرض، والجزء الثاني يسقط على الجدار الجانبي، والجزء الثالث وهو الأغنى دلالةً- يسقطُ على الجدار الواقع خلف السندانة، فلماذا اختار الفنان تقنية التجزيء هنا؟
تفتح الاجابة على هذا السؤال باب التـأويل، فالجزء الساقط على الأرض من الظل، إنمّا هو اشارةٌ للبُعد الزمني الذي قطعتهُ ذاكرةُ الفنان تراجعًـا نحو ماضٍ لم ينتهِ بعدُ حضورهُ وتأثيره، والجزء الساقط على الجدار الجانبي إنّما هو مشاركةٌ حيّةٌ تؤازر الظل الأساس الساقط على الجدار الخلفي للسندانة، وبما أنَّ السندانة هي مركز السيادة البصري، فظلها الساقط على الجدار الخلفي هو مركز السيادة الدلالي كذلك، حيث عمد الفنان بوعيٍ واضح إلى انشاءٍ متضادٍ تمامًـا، فحوّل الغصنينِ المنحنينِ إلى الأرض في السندانة الى غصنين شامخينِ نحو السماء في الظل، فمنحهما حياةً أُخرى، وهذا بالتالي سيمنحنا القدرة على تأويلِ هذهِ الحالة برغبةِ الفنان الكامنةِ في أعماقه في إحياء هذهِ الذكرى التي لم تَمُت أصلا؛ لأنها علاقةٌ عاشت الضدينِ معًا (الموت والحياة)، ولكنهُ موتٌ قلقٌ وحياةٌ مقلقةٌ أيضً؛ لأنّ الغصنينِ اعتمدا في وجودهما على ورقةٍ واحدةٍ لكلٍ منهما، إذًا الذكرى حيّةٌ لكنها تؤرقُ الفنان وتغذي عزلتهُ، كما تُغذي قلقه إزاء فكرتينِ تتضادانِ تمامًا وتتحايثان أيضًا هما الحياة والموت.
يكتسب هذا التأويل – من وجهة نظري – وجوده من وجود الجدار القائم والصُلب أيضًا، ومن وجود شرخٍ يمتدُ من أعلاهُ إلى وسطهِ تقريبًـا، كاشفاً عن جزء من السماء وجزء من غيمةٍ، فالسماء هنا اشارةً إلى القدر الذي نفذَ قراره، وفرّقَ ما بين الغصنينِ وظلهما، أو ما بين تحقيقِ الرغبة والحياة أو قتلها والموت، أمّا الغيمةُ فهي الأملُ بمطرٍ يسقي ويحققُ نماءً وحياةً واستمرارًا آخر، لكنهُ محكومٌ بعدم التحقق الواقعي.
والآن سأحاول قراءة المنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان في هذه اللوحة لنستكشف دلالاتها أولا، ومدى تآزرها مع دلالات اللوحة ثانيًا، ومدى اتساقها مع قراءتي للوحةِ ثالثًـا، وبما أنَّ الباحثينَ حاولوا كثيرًا استقراء اللون ودلالاتهِ بوصفهِ موجودًا حياتيًـا في الواقع العياني، فإنني سأتبع خطاهم في قراءةِ ألوان هذه اللوحة، لأتمكّن بالتالي من تشكيل الرابط، الذي سيغذي شبكة الدلالات التي عاشت في ذاكرة الفنان، وغذَّت تجربته الحياتية فسكبها في هذه التجربة الفنية تاركًـا لنا فسحةً لقراءتها، والاستمتاع بها.
في نظرتنا الأُولى إلى اللوحة نجد اللون الأزرق بدرجاتهِ يُشكَّلُ حضورًا غالبًا على الأشكال المتموضعةِ فيها، والأزرق هو اللونُ المرتبط بالسماء والماءِ معًا في الواقع العياني، وهو المُعبرّ عن التأمل والفكر، كما أنّهُ يُشكَّلُ رمزًا للصفاء والهدوء والسكون والراحة على حدَّ قول الباحثينَ في دلالاته، أمّا الأخضر فهو رمز الخير والسلام والأمل والمستقبل والبحث من جديد، والتفاؤل وتجديد الآمال، واستعادة الطاقة والقوّة بسبب ارتباطه بالحقول والحدائق والأشجار، وهما من الألوان الباردة، وإن اجتمعا معًا أصبحا يمثلان أقصى درجات البرودة، ولكن في هذه اللوحة التي تتخذ السندانة فيها مركز السيادة البصري واللوني، عمدَ الفنان إلى منحها لونًا شذريًا، واللون الشذري ناتج عن خلط الأزرق والأخضر بنسبةٍ متكافئةٍ من كليهما، ويتأتى هذا الاختيار الرائع من فكرة الفنان في الإشارة إلى شيء من البرودةِ التي تكتنف هذا الموضوع حاليًا في ذاكرته، فموضوع هذه اللوحة هو علاقة بُترت بفعلٍ قدري لا رادَّ لهُ، حاولَ الفنان أن يكسبها غلافًا من البرودةِ بفعلِ التقادم الزمني عليها، فأسدل غطاءً باردًا على تفصيلاتها، إلاّ أنها في الوقت ذاته لا زالت حيةً تقاوم موتها في ذاكرتهِ؛ لأنَّ اللون الأخضر حين اندمج باللونِ الأزرق منحهُ بُعدًا تفاؤليًا وأملا مضافًا إلى مكنونات الذاكرة التي استيقظت فيها هذه الذكرى، كما منح المتلقي إحساسًا بجمال هذا اللقاء اللوني الذي يبعثُ نسغًا تفاؤليًا منعشًا، رغمَ أنَّ الأرضيةَ التي تتموضع عليها السندانة موزعةً بين لون الورقةِ الأصفر المغبر الدّال على عواطف غير مستقرةٍ، وبين الأزرق المتدرج الذي يكسو أرض الغرفة.
واتخذت الأغصان الثلاثة البُني لونًا لها إشارةً إلى عمرها الزمني النسبي، مع لمسات خفيفة من الأحمر مما منحها شيئا من الحيوية، وأبعدَ عنها شبح الموتِ، وهذا ما يتفقُ تمامًا مع وجود الورقة الخضراء، فاللون الأخضر للورقة المشوب بلمسات لونية يؤكد فاعليتها ورغبتها في الاستمرار الحياتي، ويتناسب مع شكلها الانسيابي الجميل، وشكلها هو الآخر يُعلن عن هويتها الخاصة جدًا، وهو أنَّها من النباتات الظلية وليست الشمسية، وهنا يلعبُ وعي الفنان دورًا واضحًا في تغذية شبكة دلالات اللوحة التي تحيلُ المتلقي إلى ظلَّ الحياةِ، وليس إلى شمسها، لكون التجربة الفنية التي خاضها الفنان في هذه اللوحة هي تجربة استعادة شيء من خزين الذاكرة وابتعاثه من عتمتها إلى نور ذاكرة المتلقي، فتتعايش الذاكرتانِ معًا في هذهِ التجربة الحياتيةِ التي تنضحُ بالألم.
اعتمد الفنان تدرجًا لونيًا لإكساء أرضية الغرفة، فيبدأ من أقصى اليمين بالأزرق الغامق قليلا، ثمَّ يشحبُ اللون بتقدمهِ إلى جهة اليسار، فالأزرق الغامق هو المتقدم لدلالتهِ الزمنية القريبة، والأزرق الشاحب هو المتأخر لدلالاتهِ على المُضي الزمني، وكذلك ظـلُّ السندانة الذي يتخذُ من الازرق الأغمقِ من سابقيهِ درجةً لونية عند سقوطه على الأرض، وعلى الجدار الجانبي، فيما يتخذ الرمادي الكامد لونًـا لظـلَّ السندانةِ، ومن الثابتِ في الواقع العياني أنَّ الظلال سوداء، أمَّا في التجربة الفنية فيمكن للفنان اختيار اللون الذي يُشكِّل تضادًا مع اللون الرمادي لما يحمله من دلالاتِ القدم الزمني أولا، ومع المشاعر المؤلمة ثانيًـا، فيما توزعت الأغصان ما بين اللونين البني والأزرق، وهنا لا بُدَّ لنا من التوقف عند الأغصان الظل، لأنَّ الفنان عمد إلى تلوينهما بالأزرق ليؤكّـد الدلالات المبثوثة في اللوحة، فجعلهما عموديينِ أولا مُلغيًـا انحناؤهما، واعتمد اللون الأزرق هويةً لهما ثانيًـا؛ ليكون الهدوء والسكون سمةً لهما، ولأنَّ صفتهما العمودية غير موجودة في الغصنينِ الأصل بل موجودانِ في ذاكرةِ الفنان فقط ، فإنَّ الدلالة اكتسبت فرصة للظهور، لتعلن رغبة الفنانِ الكامنة في أعماقهِ لاستعادة هذه الذكرى وهذه العلاقة ذهنيًا وإن كانت علاقة باردة واقعيًـا
ويبدو الجدار المتأخر الذي يتموضع في عمق اللوحة موحشًا، وساهم في منحه هذه السمة اعتماد الفنان إلى تلونيه بالألوان : البني من الأسفل ثم الأصفر ثم البنفسجي بدرجات لونية مغبرة، تشحب كلما اتجهت إلى اليسار، واعتماد هذه الألوان يحقق وظائف عدة : فهو أولا يكسر الرتابة التي كان يمكن ان تسقط فيها اللوحة، إذا اعتمدت على اللون الأزرق وتدرجاته فقط، وهذه وظيفة تقنية ، كما أنَّه يؤشِّرُ بُعدًا زمنيًا متأخـرًا ثانيًـا، ويحيل الى أحداث وأحاديث كثيرة شحب لونها وتاهت ملامحها وهذه وظيفة دلالية ، ولكنَّ الشقّ في هذا الجدار حقق حالة انكسار الايقاع الرتيب للون من جهة، وأسهم في تكوين دلالة القدر وحكمهُ الصادر من زمنٍ، والنافذ فعلا من جهة ثانية، كما أظهر الفنان جزءاً من غيمة كانت الأغصان في حاجةٍ شديدة إلى حضورها لإزاحة العطش، إلاّ أنَّ الغيمة بعيدة، فالذكرى إذًا لن تُسقى بماء الحياة.
شكّل الحضور اللوني دلالته إذًا من خلال حضورهِ المتدرج والمتجاور، وكذلك اتخذت الكتل صفاتها من أحجامها وتموضعاتها، فالكتلة الأصغر هي السندانة ثم تليها في الحجم الورقة، فالظل الذي ترميه السندانة، ويتساوى حجميًا الغصنان الأصل والظل، ولكنها تتموضع في ثلث اللوحة الأسفل، فيما يشتمل الظل والجزء السماوي والغيمي على كتلة صغيرة الحجم، ويتساوى الفراغ بين الغصنين وفتحة الجدار حجمًـا، وهذا ما أسهم في تأكيد الدلالات التي أراد الفنان بثَّها في هذه اللوحة، والتي أعلنت عن حضورها من خلال اختياره للكتل وحجومها وموقعتها على قماشة اللوحة، حسب شدة ارتباطها بالذكرى، فالسندانة هي البذرة وهي الأصل؛ ولهذا اتخذت حجمًـا كتليًـا صغيرًا إشارةً إلى بدايةٍ عاشتها الواقعة، ولكنَّ ظلها القاتم كان أكبر منها ليس فقط لأنَّ الاضاءة آتية من الأمام تقنيًـا، وإنَّما لما تحمله من أصل الذكرى وأصل العلاقة، اعتمادًا على الفكرة الواقعية التي تقول : تولدُ الأشياءُ صغيرة ثم تكبرُ.





