صراع هوائي – قراءة للـوحة {صراع الاكاسرة} للفنان عثمان الدواي


د. وجدان الخشاب / العراق
الفنان التشكيلي عثمان من مواليد مدينة العرائش الساحلية في المغرب ، درس الهندسة الميكانيكية في اسبانيا ، ولكنه لم يُتمّها لأسباب خارجة عن إرادته ، وبالمقابل انغمس في الفن قلبًا وقالبًا أثناء دراسته هناك – حسب تعبيره- ، بدأ يرسم منذ طفولته ، لكنّ أول فوز له كان في المرحلة الاعدادية ، فوز ترك في ذاكرته طعمًا متميزًا لم يكن لمعلِّميه فضل فيه بل كان لأبيه مشجّعه الدائم.
في اشتغاله الدائب يرى أنَّ المعارض الشخصية تقدم تجربته للمتلقي بشكل متكامل ، أمّا المعارض الجماعية فهي فرصة للقاء الفنانين بتوجّهاتهم المختلفة ، وتجاربهم المتغايرة ولهذا يرى فيها فرصة جميلة للتعارف والحوار مع الآخر فنانًـا كان أو متلقيًـا ، كما أنّه يرى أنَّ المعارض بنوعيها فرصة لظهور النقد بنوعيه : البنّاء الذي يثري تجربة الفنان ويدفع به للارتقاء ، والهدّام السلبي المؤلم الذي يكون نتاج نظرة ضيّقة لا تتسع لجمال الفن ، ولا ترقى إلى تذوّقه.
ما يشغل الفنان عثمان هو الجمال والافكار والمواقف التي تنشغل اللوحة بعرضها وتفاعل المتلقي معها ، وشعوره بسعادة العطاء تلك السعادة التي لا تقاربها سعادة.
التجريب ضرورة ، هكذا أنظر إلى جهود الآخر في أي حقل معرفي يعمل فيه ، لأنَّه وسيلة للاكتشاف ، وإثراء التجربة ، والنظر إلى الأُمور من زوايا متعددة ، وفي الفن التشكيلي يمثّل التجريب فرصة لتحقيق الأهداف ذاتها ، وهذا ما لفت نظري من خلال متابعتي للوحات الفنان عثمان ، وكنت قد كتبت مقالة عن لوحته التعبيرية {الحلم} ، لكنني في هذا المقال سأتوقف عند لوحته {صراع الأكاسرة} التي اعتمد فيها على التجريد ، وقبل أن أبدأ قراءتي للوحته هذه سأعرض بشكل موجز للتجريد في الفن التشكيلي ، ولن يكون عرضي تاريخيًـا مفصّلا لهذه المدرسة الثرية بعطائها ، بل سأقتصر على ما يخدم هذا المقال من معلومات.
يُـعـدُّ التجريد: واحدًا من طرق واتجاهات الرسم حاول الفنان التشكيلي – وقبله إنسان الكهوف والفنان الإسلامي الذي اعتمد الزخرفة على الأبواب والشبابيك والسجّاد – أن يعمد إلى رسم الأشكال التي يعاينها في واقعه بشكل جديد، ينأى عن الموضوع الذي كانت المدارس الأُخرى تهدف إلى إبرازه ومعالجته ، معتمدًا على الألوان والخطوط ، واتخذ تمظهره من خلال نتاجات الفنانين بنوعين أثبتا وجودهما، هما:
1/ التجريد التعبيري: الذي أوجده الفنان الروسي كاندنسكي ، وحاول أن يجعل اللوحة أقرب إلى الموسيقى بوصفها أنغامًـا، يسمعها الإنسان ولكنه لا يجد لها ممثلا في الطبيعة ، مثل الإنسان أو الشجرة … لكنّ الأنغام الموسيقية تؤدي فعلها الإثاري في المتلقي مشاعـرًا وأحاسيسًا وانفعالات.
2/ التجريد الهندسي: الذي أوجده الفنان الهولندي موندريان ، واتخذ من الخطوط الرأسية والأُفقية والأشكال الهندسية {المستطيل والدائرة والمربع والمثلث…} والأدوات الهندسية مثل المسطرة والفرجال أساساً لاشتغال لوحاته ومنحوتاته ، وكذلك في العمارة ، مع ملاحظتنا أنّ هذه الأشكال تنتشر حولنا في الواقع سواء بشكلها المجرّد أو غير المجرّد.
إنَّ فكرة كاندنسكي التي طرحها تحت مُسمّى {الضرورة الداخلية} تؤشر اهتمامه بجعل {اللامرئي مرئيًـا} أي أنَّ الاشتغال الفني يتخذ من المشاعر والانفعالات والأفكار والهواجس مصدرًا للتجربة التشكيلية ، مع ملاحظتي أنَّ المشاعر والانفعالات والأفكار هي نتاج طبيعي لمعطيات واقعية يعايشها الفنان في واقعه ، ولا يمكن أن يتعامل مع معطيات هذا الواقع عن طريق الالغاء.
يحيل الناقد التشكيلي الامريكي كليفورد روس في كتابه {التعبيرية التجريدية: فنانوها ونقّادها} هذا الاتجاه في الرسم إلى معطيات المدارس التشكيلية التي سبقته في الظهور ، فتأثّـر بها وتخصيصًا {التكعيبية والوحشية والفطرية والسريالية} مع تأشيره لدور السريالية في تأكيد الأهمية البالغة للإنسان ومشاعره وانفعالاته وهواجسه، التي هي في الوقت ذاته هواجس كل إنسان ، فلا يمكن قصرها على الفنان فقط ، من هنا نشأت الفكرة التي تشير الى أنَّ التجريدية التعبيرية حوّلت المتلقي من مشارك سلبي إلى مشارك فعلي وايجابي في النتاج الفني، ويؤكّد روس أيضًا على أنَّ استحضار معاني ورموز الموضوعات بدلا من تشخيصها ، ومواجهة الواقع بدلا من وصفه الروائي ، تمثِّل معطيات أساس لهذه المدرسة .
في مسيرتها التطبيقية اتخذت التجريدية التعبيرية مسارين:
1/ تجريد كُـلّي: يهمل فيه الفنان موضوع اللوحة ودلالاتها ، ليتجه في اشتغاله نحو تظهير الأشكال وتجسيد الأحجام ، وتوزيع الألوان.
2/ تجريد جزئي: يمنح الفنان من خلاله مؤشرات تكشف عن الأشكال التي تموضعت في اللوحة ، فيجد فيها المتلقي فرصة لتحديدها ، واكتشاف دلالاتها.
تكشف قراءة لوحة {صراع الاكاسرة} للفنان عثمان عن محاولته اعتماد طروحات المدرسة التجريدية التعبيرية في نتاجها؛ لما تتيحه من معطيات تكشف عن الأفكار والرؤى والهواجس التي تعتمل في ثنايا النفس الإنسانية ، وبما أنَّ الفنان اتخذ من التجريد الجزئي طريقة لرسم هذه اللوحة ، فإنَّ عناصر التكوين تؤشر حضور شكلين حيوانيين هما طائرا العُقاب في حالة صراع والتحام ، هنا سيطرح تساؤل نفسه: من هو طائر العُقاب ؟ ويتبعه تساؤل آخر: لماذا انتقاه الفنان عثمان ليكون عنصر اللوحة الأساس؟
طائر العُقاب هو {الكاسِر} حسب ما أورده الجوهري في معجمه {الصحاح في اللغة} وجمعه {الاكاسرة} وهو رمز القوة والشجاعة والبطولة في الذاكرة الجمعية العربية ، يتمتع بصفات لم تتوافر لغيره من الطيور ، فهو لا يقبل أن يطير طير آخر فوقه ، أو أعلى منه ، وإلا كان نصيبه الموت ، سريع التحليق فيقطع المسافات الطويلة ، لا يأكل إلاّ من صيد مخالبه القوية ومنقاره الحاد فلا يأكل الجيف مثل النسر ، يبني عشّه في قمم الجبال الوعرة ، وهو طائر حر إن حُبِس يموت قهـرًا ، لأنّه لا يقبل الأسر أبدًا ، ولتمتعه بهذه الصفات أطلق العرب على ابنائهم اسمه ، كما اتخذه رسول الله {صلّ الله عليه وسلّم} رمـزًا لرايته ، وأصبح رمـزًا لأعلام كثير من الدول العربية وغير العربية.
سأُحاول قراءة لوحة الفنان عثمان {صراع الاكاسرة} حيث يكشف المسح البصري عن تمظهر لطيري عُقاب يتخذان موقعتهما في غالبية مساحة اللوحة ، فالطير الأول يتموقع في وسط اللوحة ، ويحتلُّ رأسه المنطقة التي تتوسطها تقريبًـا، مما يؤشر رغبة الفنان في منحه حضورًا متميـزًا عن طريق موضعته في منطقة سيادة اللوحة ، فالرأس هو مكان الدماغ الذي يفرض سيطرته على الجسد بأكمله ، وتؤازر حضوره المتميز منطقة الصدر التي منحها الفنان حضورًا واضحًـا بوصفها منطقة إضاءة.
إنَّ اتخاذ الفنان عثمان منظور رؤية عين الطائر {النظر من الأعلى} في رسم هذه اللوحة منحها قيمة تشكيلية ثرية ، حيث تؤشر هذه الرؤية وعيًـا دقيقًـا في تعامله مع موضوعها ، هنا سيسأل المتلقي: ما علاقة هذا النوع من الرؤية بموضوع اللوحة ؟
سأُحاول طرح إجابة افترضتُها وأنا أتأمل اللوحة ، وأستذكر مخزون ذاكرتي الذي منحني جوابًـا أراه مناسبًـا: بما أنّ موضوع اللوحة هو صراع طائرين مميزين بشجاعتهما وقوتهما وحبهما للأماكن العالية ، ويمكنني أن أقول أنهما من ابناء الفضاء ، فالصراع لا يمكن له أن يكون على الأرض ، أو قريبًـا منها ، بل يتخذ من الفضاء الواسع الذي لا ينافسهما فيه أحد من المخلوقات موقعًـا لصراعهما ، وصراع من هذا النوع لا بُدّ له أن يتطلب رؤية مغايرة تمنح تفصيلاته فرصتها في الظهور ، فإذا افترضنا أنّ الفنان عثمان اتخذ موقعته أرضًا فإنَّ تراكم طبقات الهواء ، والبُعد المكاني المرتفع سينتج مشهدًا يتسم برؤية ضبابية تضيّع تفصيلاته ، وهذا ما سيشكّل مغايرة تامة لفكرة الفنان التي اعتمدت على طيري العُقاب في تمظهرها ، في حين أنَّ رؤية عين الطائر ستمنح الفنان فرصة مضافة لعرض رؤيته الخاصة بهذا الصراع، والمتمـثّـلة بالسمو والارتقاء والتغيير ، وهنا سيطرح تساؤل نفسه: ما علاقة الصراع بالمفردات الثلاث {السمو والارتقاء والتغيير}؟
في محاولتي لوضع اجابة افتراضية لهذا التساؤل، لا بُدّ لي أولا من التوقف عند مفردة الصراع لما تحمله من قيم دلالية ، حيث أنَّ الصراع حالة تفاعلية تنشأ بين طرفين أو أكثر {سواء أكان الطرفان بشرًا أم حيوانات} يحكمهما التضاد والتناقض في الرؤية والتوجهات والطروحات ، ويتمظهر في كثير من المواقف الحياتية متخذًا من الانتصار واثبات الذات والتوازن وتحييد الآخر أهدافًـا مثالية، يسعى إلى اكسابها وجودًا حقيقيًـا ، وهو في هذا يشتغل باتجاه إحداث تغييرات يرى فيها ضرورة تكتسب توصيف الحتمية ، وفي الاتجاه ذاته يشير عالم الاجتماع الامريكي المعاصر لويس كوزر إلى أنَّ الصراع مجابهة تهدف إلى اثبات قيم بوصفها أهدافًـا ، أو امتلاك السلطة والقوة والموارد النادرة ، وبهذا يكتسب الصراع نتائج تتمثّـل في قضاء أحد طرفيه على الآخر ، أو الاضرار به ، أو فرض حالة الحياد عليه قسرًا.
إذا هو صراع من أجل البقاء والاستمرار والتفرُّد ، وإذا أضفنا إليها ما قدّمتُه سابقًـا من معلومات عن طائر العُقاب في أنّه لا يسمح لأحدٍ أن يطير أعلى منه ، وإلاّ كان نصيبه الموت ، وكأنّه بذلك يفرض ملكيته الخاصة تمامًـا لهذا الفضاء الممتد ، مُثبِـتًـا شجاعة فائقة في الدفاع عنه ، رغم أنَّ الفضاء يمتلك خاصية الامتداد الذي لا يمكن أن تحدّه حدود ، سيكون بإمكاني تأشير حقيقة عمد الفنان عثمان إلى تأكيدها ، وهي أنَّ العُقاب الذي يحتل الجزء الأيمن من اللوحة هو صاحب هذه الملكية ، وهو المهاجم الذي يصارع الدخيل {العُقاب الآخر} الذي يتموقع في الجزء الأيمن من اللوحة، فالعُقاب الأول في صراعه هذا يحاول تحقيق أهدافه في الانتصار واثبات الذات ، ومنع الآخر من الاعتداء على الخصوصية بقتله ، فلا هدنة ولا استراحة محارب ، ولا انسحاب ، إنّما هو صراع حتى الموت.
من هنا يمكنني تأشير قيمتي الخير والشر في صراع هذين العُقابين ، ولتأكيد رؤيتي هذه لا بُدّ لي من تأشير ما منحه الفنان عثمان لكل من الطائرين مظهرًا وتلوينًـا، فمن حيث المظهر يكشف المسح البصر للعُقاب الأيمن عن تأكيد الفنان على إظهار منقاره الحاد الصُلب ، وفرش أجنحته العريضة المحمّلة بدلالات القوة ، واتخاذه مساحة أكبر من اللوحة ، وحركته التي كشفت عن اتخاذه موقع المهاجم ، في حين اتخذ العُقاب الأيسر مساحة أقل ، ورغم انفراج جناحيه إلاّ إنّها لا تنفرش بكاملها، بل تتخذ هيئة دفاعية تحاول من خلالها صدّ مهاجمها الذي لا يعرف التراجع ولا يعترف بالهزيمة ، كما أنَّ الفنان عثمان عمد إلى اغلاق منافذ الهرب أمام العُقاب الأيسر ، فمن الأمام والجانبين افترش جسم العُقاب الأيمن المساحة تقريبًـا ، ومن الخلف عمد الفنان إلى فرشة لونية تشغل الفراغ ، والفراغ له دوره الكبير في منح عناصر التكوين فرصتها في إظهار حركتها واستمرارها في اتجاه يفرضه الفراغ تقدّمًـا أو تراجعًـا ، إذًا خاصية التوازن تكاد تنعدم سواء على مستوى تمثيل عناصر اللوحة وموضعتها، أو على مستوى إبراز الأقوى من العُقابين ، وهي بهذا تمنح العُقاب الأيمن فرصة أكبر لتأشير ما سيؤول إليه الصراع من نتائج يبدو أنها ستكون محسومة بانتصاره.
والآن سأُحاول قراءة المنظومة التي فرشها الفنان على خامة اللوحة؛ لأتبيّن مدى اتساقها مع قراءتي لدلالاتها ، حيث يكشف المسح البصري عن اشتغال الفنان باتجاه فرش لمسات لونية متدرّجة ومتشابكة لتمثيل الفضاء ، وكأنّـه بذلك يحيل المتلقي إلى ما يثيره الصراع الأرضي من غبار ، وبما أنّ الصراع هنا فضائي؛ فكان لا بُدّ للفنان من اتخاذ لمسات لونية تفرشها فرشاة عريضة، توحّد بين تكوين جسم الطائر وحركة الهواء التي بدت أقرب ما تكون إلى الدوامات ، مما يدلل على وعي الفنان عثمان في الكشف عن تآزر الهواء مع حالة الصراع الواقعة ، كما أنَّ تمظهره يتخذ مساحة أكبر ، ومحيطة بالعُقاب الأيمن مما شكّل تضخيمًـا لحجم هذا العُقاب ، وهذا التوجه أضاف رعباً آخر للعُقاب الأيسر.
وأظهر الافتراش اللوني عن تعددية لونية اتخذها جسم العُقاب الأيمن ، فاللون الأحمر المتدرج والمائل إلى درجة الوردي الفاتح والبرتقالي الفاتح أيضًا، يحيل إلى دلالات القوة والانفعال وتحرير الطاقة الكامنة؛ لتشتغل باتجاه تحقيق كامل للحركة التي يفرضها الصراع بوصفه واقعة متحققة ، كما أنّه يؤدي وظيفة تظهير الإضاءة التي أسهمت هي الأُخرى في تمظهر حيوية الحركة ، وافترش اللون الأبيض المشوب بلمسات لونية متعددة منطقة الصدر مؤديًـا أكثر من وظيفة: تضخيم لحجم العُقاب ، وجمالية اشراقية مضيئة ، وتأكيد لقيم الخير التي تكمن في القلب.
أمّا اللون الرمادي فرغم أنّه لون حيادي يقع في منتصف المسافة بين اللونين الأبيض والأسود ، إلاّ إنَّ الفنان عثمان عمد إلى اخراجه من حياديته بإضافة لمسات لونية متعددة ومتدرّجة ومتداخلة أيضًا ، مانحًـا إيّاه بُعـدًا جماليًـا أسهم في إظهار حركة العُقاب الأيمن من جهة ، وحركة الهواء من جهة أُخرى، واتخذ اللون الأسود تموقعه في ظهر العُقاب الأيمن مؤديًـا اظهارًا لمنطقة الظل أولا ، وتأكيدًا مضافًـا على قوة هذا الجزء من جسم الطائر ، فيما كان حضور اللون الأزرق المتدرّج إلى درجة الجويتي تأكيـدًا على سموِّ أهداف الصراع ، بسبب ارتباط اللون الأزرق بلون السماء ، محيلا إلى قيمها السماوية العُليا.
يُـعـدُّ الباحثون اللون الرمادي من الألوان الحيادية، إلاّ إنَّ الفنان عثمان أخرجه من حياديته بمنحه صفة التدرّج نحو اللون الأسود، مع لمسات من اللون البني الغامق المائل الى الشحوب؛ ليمنحه حضورًا قصديًـا على جسم العُقاب الأيسر الذي أدّى دور الشرير في مشهدية هذه اللوحة .
لا بُدَّ لي وأنا أسعى إلى مقاربة هذه اللوحة الناطقة بالجمال مقاربة محايثة، من الإشارة إلى أنَّ خاصية الانتقاء كانت هي المتحكِّمة في رؤية الفنان، التي اشتغلت باتجاه اختزال عناصر التكوين في هذه اللوحة ، يقابله ثراء لوني أسهم في إثارة انفعال المتلقي أولا ، وأدّى ما تفترضه التجريدية التعبيرية من تجريد جزئي ثانيًـا.
إنَّ قراءتي الدلالية لهذه اللوحة تمنحني فرصة للإشارة إلى أنَّ البنية العميقة لهذه اللوحة، تتيح فرصة تظهير وجه آخر لها، يتمثّل في امكانية توصيف العُقابين برمزين إنسانيين ، يفرض الصراع وجوده على حياتهما للأسباب ذاتها التي أدّت إلى الصراع المتمثّل في هذه اللوحة ، وهذه الرؤية التي افترضتها تعيش انبثاقها من حتمية الصراع بين الخير والشر ، ذلك الصراع الذي ابتدأ وجوده مع وجود الإنسان ، وسينتهي بانتهاء هذا الوجود ، وهذا ما سيحليني إلى هاجس الصراع بين قوتي الخير والشر، وما يصاحبها من أفكار ورؤى وانفعالات وهواجس تعتمل في ذاكرة الفنان عثمان ، من خلال مواجهة أشكال هذا الصراع في واقعه العياني ، تلك المواجهة التي أثرت تجربته الحياتية والتشكيلية معًـا ، وهذا ما يمنحني فرصة مضافة لتأشير ثراء هذا الاشتغال التشكيلي، الذي أراه سيستمر ليصل الفنان العرائشي الجاد عثمان الدواي إلى العالمية.





