مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

أمجد توفيق ..سيرة السرد وحكاية الثقافة..إضاءة مهنية لا دراسة نقدية – د. ياس خضير البياتي

صورة لرجل متوسط العمر يرتدي نظارات بدلة وربطة عنق، بابتسامة، بخلفية رمادية.

في المشهد الثقافي العراقي والعربي، تتقدم تجربة الكاتب والروائي والصحفي أمجد توفيق بوصفها واحدة من التجارب السردية التي لا يمكن اختزالها في عناوين أو تصنيفات جاهزة، بل هي مسار ممتد من الكتابة والاشتغال الثقافي، حيث تتقاطع السيرة الشخصية مع النص، وتلتبس الحياة بالخيال، حتى تبدو التجربة وكأنها نصّ واحد طويل يكتب نفسه عبر الزمن.
وُلد في الثامن والعشرين من شباط عام 1950 في محافظة دهوك، التي كانت آنذاك إحدى الوحدات الإدارية التابعة لمحافظة الموصل قبل استحداث محافظة دهوك بصيغتها الإدارية الحالية.
وفي تلك البيئة الشمالية الغنية بتنوعها الثقافي والاجتماعي، تشكلت ملامح طفولته الأولى، حيث تفتحت عيناه على طبيعةٍ ساحرة وتاريخٍ عريق وتقاليد مجتمعية راسخة، كان لها أثرها العميق في تكوين شخصيته الإنسانية والفكرية.
ينتمي أمجد إلى ذلك الجيل من الكتّاب الذين لم يتعاملوا مع الأدب بوصفه نشاطًا جانبيًا، بل بوصفه قدرًا معرفيًا وجماليًا، يتشكل داخل التجربة اليومية، ويعيد صياغة الواقع من خلال رؤية سردية تتأمل الإنسان في هشاشته وقوته، في سقوطه ونجاته، وفي بحثه المستمر عن معنى وجوده داخل عالم متحوّل.
منذ مطلع السبعينات، شكّلت التنقلات الوظيفية والإعلامية والثقافية له مسارًا متدرجًا يعكس تداخلاً واضحًا بين الممارسة الثقافية والعمل المؤسسي، حيث بدأ حضوره في فضاء الثقافة العراقية من بوابة المؤسسات الأدبية والإعلامية، في مرحلة كانت فيها الصحافة الثقافية جزءًا حيويًا من تشكيل الوعي العام.
لم يكن مجرد روائي متفرد في المشهد الأدبي، بل هو أحد الأسماء التي ارتبطت بالعمل الثقافي والإعلامي بوصفه مشروعًا متكاملاً، أسهم عبره في بناء جزء مهم من الذاكرة الثقافية العراقية الحديثة. فقد تنقل عبر مسيرة مهنية طويلة بين مواقع ثقافية وإعلامية متعددة، شغل خلالها مناصب رفيعة كان لها أثر مباشر في تشكيل المشهد الثقافي، من بينها إدارة الثقافة الجماهيرية في بغداد، ورئاسة تحرير مجلات أدبية وفنية بارزة مثل الطليعة الأدبية وفنون وقطوف، فضلًا عن رئاسته لسلسلة القصة والرواية والمسرحية في وزارة الثقافة، وهو موقع ارتبط بإدارة وتوجيه واحد من أهم مسارات النشر الأدبي في العراق.
كما امتدت تجربته إلى المجال الإعلامي التلفزيوني، حيث تولّى إدارة الأخبار والبرامج السياسية في قناة البغدادية، ثم شغل منصب المدير العام لقناة الرشيد الفضائية، قبل أن يتولى إدارة مؤسسة الوسيط الإعلامية، في انتقال يعكس خبرة تراكمية بين العمل الثقافي والإعلامي والإداري.
وإلى جانب ذلك، ظل حضوره مؤكدًا في البنية الثقافية من خلال عضويته في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، واتحاد الكتاب العرب، ونقابة الصحفيين العراقيين، ومنظمة الصحافة العالمية، بما يعكس انخراطه المستمر في الفضاء المهني والثقافي على المستويين المحلي والعربي.

وقد توازى هذا الحضور المؤسسي مع إنتاج أدبي غزير تنوع بين القصة والرواية والنقد، حيث قدّم أعمالًا بارزة مثل الثلج.. الثلج، الجبل الأبيض، قلعة تارا، برج المطر، طفولة جبل، الطيور الحرة، الظلال الطويلة، الساخر العظيم، والخطأ الذهبي، وهي نصوص لا تُقرأ بوصفها سردًا فحسب، بل بوصفها اشتغالًا على الإنسان في قلقه وتاريخه وأسئلته الوجودية.
كما خاض تجربة نقدية لافتة في كتب مثل نحل القلم.. عسل الثقافة، وشارك في أعمال جماعية ودراسات نقدية تناولت تجربته الإبداعية من زوايا متعددة.
وقد حظيت أعماله بانتشار وترجمات إلى لغات عدة، كما تحولت بعض رواياته إلى أعمال درامية، بما يعكس طاقتها السردية وقدرتها على تجاوز حدود اللغة إلى فضاءات بصرية.
وعلى مستوى التقدير، نال جوائز ثقافية وإعلامية مهمة، من بينها جائزة الدولة لأفضل رواية عراقية، وجائزة العنقاء الذهبية الدولية، ودرع الجواهري للإبداع، إلى جانب تكريمات متعددة وجائزة أفضل إعلامي عراقي وقلادة الصحافة، فضلًا عن ترشيحه لتمثيل العراق في جائزة اليونسكو، في دلالة على حضور ممتد يجمع بين الإبداع الأدبي والخبرة الإعلامية والفاعلية الثقافية.
في أسلوبه الروائي، يشتغل أمجد توفيق على بناء عوالم متعددة الطبقات، حيث لا تسير الحكاية في خط مستقيم، بل تتشعب عبر الذاكرة والتاريخ والرمز. الشخصيات في أعماله ليست أدوات لتحريك الحدث، بل كائنات سردية تمتلك قلقها الداخلي، وتتحرك داخل فضاء مليء بالأسئلة أكثر مما هو مليء بالإجابات.
لهذا تبدو رواياته أقرب إلى خرائط إنسانية معقدة، تتقاطع فيها المصائر الفردية مع التحولات الكبرى في المجتمع والتاريخ.
تتميز لغته السردية بقدر واضح من الكثافة والتأمل، فهي لا تكتفي بوصف المشهد، بل تحاول أن تكشف ما وراءه. التفاصيل الصغيرة في نصوصه تتحول إلى علامات دلالية، والحدث لا يُروى من أجل الحدث نفسه، بل من أجل ما يفتحه من أسئلة حول الوجود والذاكرة والهوية.
ومن هنا، فإن القارئ في أعماله لا يبقى خارج النص، بل يدخل في حالة من المشاركة الذهنية، حيث يتحول إلى متأمل في النص لا مجرد متلقٍ له.
في رواياته وقصصه، تتكرر ثيمة الإنسان في مواجهة التحول؛ الإنسان الذي يجد نفسه في قلب تغييرات سياسية واجتماعية وثقافية كبرى، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحوله الداخلي، ذلك التحول الصامت الذي يحدث في الوعي والذاكرة والضمير.
هذه الثنائية بين الخارج والداخل تمنح نصوصه بعدًا فلسفيًا واضحًا، يجعلها تتجاوز حدود الحكاية التقليدية إلى فضاء أوسع من التأمل في معنى التجربة الإنسانية.
وتبرز في أعماله أيضًا علاقة خاصة بين الزمن والسرد. فالزمن في نصوصه ليس خطًا مستقيمًا، بل طبقات متداخلة، تتقاطع فيها الذاكرة مع الحاضر، ويعود فيها الماضي بوصفه قوة فاعلة في تشكيل الواقع.
هذا التلاعب بالزمن يمنح رواياته طابعًا تأمليًا، ويجعل السرد أقرب إلى حركة داخل الوعي، لا مجرد تسجيل للأحداث.
أما على المستوى الإنساني، فإن تجربة أمجد توفيق لا تنفصل عن حضوره في الوسط الثقافي، حيث يُعرف عنه ميله إلى بناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل والتقدير الحقيقي للتجربة الإبداعية، بعيدًا عن منطق المنافسة الضيق. فهو ينظر إلى المشهد الثقافي بوصفه مساحة مشتركة، تتعدد فيها الأصوات ولا تتصارع، بل تتجاور لتشكل نسيجًا واحدًا من التجربة الإنسانية.
في هذا السياق، يظهر حضوره الإنساني بوصفه امتدادًا لرؤيته الأدبية؛ فكما يمنح شخصياته في الرواية مساحة للتعبير عن ذاتها، فإنه في الواقع يمنح الآخرين مساحة مماثلة للحوار والاختلاف. لذلك ارتبط اسمه في الأوساط الثقافية بصورة الكاتب الذي ينصت بقدر ما يكتب، ويؤمن بأن المعرفة لا تُبنى من صوت واحد، بل من تفاعل أصوات متعددة.
أما علاقته بالكتابة، فهي علاقة تشبه الحوار الطويل مع الذات والعالم. الكتابة عنده ليست إنجازًا نهائيًا، بل عملية مستمرة من الفهم وإعادة الفهم. لذلك تبدو نصوصه وكأنها مراحل في مشروع سردي أكبر، يتطور مع الزمن، ويتحول مع كل تجربة جديدة إلى طبقة إضافية من الوعي.
وقد أسهم هذا التراكم في تشكيل حضور أدبي لافت، جعل اسمه مرتبطًا بالرواية العراقية الحديثة، بوصفها مساحة للتجديد والبحث في أشكال السرد، لا مجرد امتداد للتقاليد السابقة.
أعماله التي تنوعت بين الرواية والقصة والدراسة النقدية، تكشف عن اهتمام واضح ببناء نص متعدد الأصوات، يجمع بين الحس الجمالي والبعد الفكري، وبين المتعة السردية والتأمل الفلسفي.
عرفتُ أمجد في منتصف السبعينيات قاصًّا ومسؤولًا عن مجلة «الطليعة الأدبية» في دائرة الشؤون الثقافية. وكان يتردد على مجلة «فنون» برفقة مجموعة من المثقفين في غرفة كامل الشرقي. ثم تولّى رئاسة تحرير المجلة بعد مغادرتي منصب رئيس التحرير عام 1979 للدراسة في الخارج.
وعند عودتي والتحاقي بقسم الإعلام في جامعة بغداد، وجدت أمامي ثلاثة زملاء أعزاء، هم كامل الشرقي وأمجد توفيق ورافع الناصري الذين ربطتني بهم علاقات مهنية وثقافية مميزة، حيث قمت بتدريسهم مادة الإعلام العربي والدولي.
وختاماً، لعل ما يمنح تجربته خصوصيتها هو هذا التداخل الخلّاق بين أدواره المتعددة: الكاتب، والروائي، والصحفي، والفاعل الثقافي. لكنه، رغم هذا التعدد، ظل محافظًا على خيط داخلي واحد يشدّ هذه التجربة إلى جوهرها العميق؛ هو الإيمان بالكلمة بوصفها وسيلة لفهم الإنسان وكشف تعقيداته، وبالسرد بوصفه أفقًا رحبًا لاكتشاف ما يختبئ في أعماق التجربة البشرية.
إن الحديث عن امجد توفيق لا يقتصر على استعراض سيرة كاتب أو تعداد منجزات روائي وصحفي، بل هو حديث عن تجربة ثقافية متكاملة، استطاعت أن تجمع بين الإبداع والمعرفة، وبين الحضور الإنساني والالتزام المهني.
ولهذا سيبقى اسمه حاضرًا في الذاكرة الثقافية العراقية والعربية بوصفه واحدًا من الأصوات التي كتبت الإنسان قبل أن تكتب الحكاية، وجعلت من الأدب فعلًا للفهم والتأمل، ومن الكلمة أثرًا يبقى أبعد من الزمن.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading