القصة القصيرة

الحمد للّه على السّلامة – أيمن عبد الحميد الوريدات-الأردن

وصلت سيّارات الإسعاف وفرق الإنقاذ بعد نصف ساعة من انهيار المبنى القديم والوحيد الّذي ظلّ قائمًا على أطراف الحيّ الجديد الّذي لا يسكنه بشر مثلنا ، وهرعت إلى إنقاذ المصابين الّذين يُعدّون على أصابع اليد الواحدة ، وكان النّاس يتساءلون : هل سقوط المبنى قضاء وقدرًا؟ أم أسقطه ملاّك الحيّ الجديد لأنّه يشوّه المدخل الجنوبيّ لحيّهم الفاخر ؟ المهم أنّه سقط ، وأنّ حارسه الوفيّ الّي ظلّ يحرسه ويتناوب على ذلك عشرين سنة ظلّ فيه ، وهو من بين المصابين ، هذا الرجل السّتينيّ ، ذو الجسم الممتلئ ، ذو العينين القويتين بإصرارهما ذو شهرة في الحيّ والأحياء المجاورة فهو خفيف الظلّ يمازح ويلاطِف، ويُلاطَفُ الصغير والكبير . سرعان ما تناقلت الأخبار خبر سقوط المبنى فهرعت طواقم الصحفيين وكاميراتهم بالزحف إلى المكان أملاً وطمعًا في تسجيل سبق صحفيّ ، وتواتر الخبر فصار فريسة  للتصوير والكتابة والتّحليل وعقد المؤتمرات ، وتجهيز غرف العمليات للمناقشة والتدارس في الأسباب والنتائج ،ما بقي جهة في المدينة إلاّ وأدلت دلوها في الخبر ، بين مؤيّد لنظرية المؤامرة ومخالف لها وواقف على الحياد ، فهذه جنازة والكل سيشبع لطمًا ، خلال هذا الضباب الّذي اكتنف المدينة سارع المحافظ إلى زيارة الموقع ، ثمّ عرّج على المستشفى يرافقه الصحفيّون واطمأنّ على صحة المصابين مطمئنًا إيّاهم بأنّ التّحقيق سيأخذ مجراه وتتكشّف الحقائق ويظهر ما تحت الرماد ، همس أحد مرافقيه في أذنه بأنّ حارس العمارة رجل مكافح ومناضل يحرس المبنى من سنوات طويلة ، وقد كان قديمًا في السلك الحكوميّ وهو متقاعد الآن وبأنّ حاله الماديّة في مهبّ الرّيح بعد هذه الإصابة ، فما كان من المحافظ إلاّ أن اقترب منه وقال له : لن ننساك . وطلب من مساعده أن يتبرّع له بخمسة آلاف ورقة نقد ، سُرّ الحارس وتناسى ألمه وسط هذه الفرحة ، بردت حرارة الحدث والخبر تدريجيًّا في الأيام اللاحقة فاللجان تجتمع ولم تقرّر شيئًا ، لم ينسَ مساعد المحافظ إنفاذ أمر محافظه فبعث إلى سكرتيره ، وطلب منه أن يسلّم مبلغ ثلاثة آلاف ورقة إلى الحارس المخلص المصاب المطعون في كلّ شيء ، انفرجت أسارير السكرتير ودعا للمحافظ ومساعد أن يبقيا عونًا للفقراء والمساكين والأرامل والمصابين وغير المصابين و… ، وحمل الآلاف الثلاثة ، ونظرَا لإنشغاله كلّف المدير المالي بإيصال مبلغ الألف ورقة ؛ الهبة والأعطية إلى الحزين المصاب وعلى جناح السرعة ، وبأن يبلغه تحيات المحافظ وتمنّيه له بالسلامة العاجلة ، سارع المدير المالي إلى المستشفى حاملاً باقة  ورد كتب عليها بخطّ جميل ومنمّق ورائع ومنسّق بالرقعة والنّسخ والكوفيّ ، وملوّن بمئة لون أو يزيد : المحافظ ومنسوبو المحافظة يتمنوّن لك شفاء عاجلاً من كلّ سوء ، اذكرهم بدعوة خير .

أنا شخصيًّا لست خبيرًا بالورود ! قد تكون من ورود الجنة وربّما تجاوز سعرها المبلغ المحدّد !!

وللعلم ما زال الحارس يحتفظ بهذه الباقة  ، يلجأ إليها كلما جاع ويأكل منها بنهم ! وينتظر الوقت الّذي يتاح له ليعلن عن بيعها في المزاد ، فلا أحد يدري فقد تفتح له طاقة سعد وسعد وسعد !!

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading