غرفة رقم 101- حسين بن قرين درمشاكي – ليبيا

في غرفةٍ ضيقة، تطل نافذتها على ليلٍ بهيم، حيث لا يُسمع إلا صدى الأفكار، جلس “آدم” على كرسيٍّ خشبيٍّ متهالك، يحدق في جدارٍ أبيضَ فارغ. لم يكن في الغرفةِ ما يثير الانتباه، لا لوحة، ولا كتاب، ولا حتى صورةٌ تروي حكاية. كان كلُّ ما فيها هو صمتٌ ثقيلٌ يملأ الفراغ، وصوتُ قلمٍ يخدش بياضَ ورقةٍ.
لم تكن هذه الغرفة سجنًا، بل كانت ملاذًا، أو هكذا كان يظن. ففي الخارج، يمتد عالمٌ من الفوضى، ضجيجٌ لا ينتهي، ووجوهٌ تتلون بالزيف. هنا، في هذه العتمة، كان آدم يجد نفسه. يكتب كلماتٍ لا يعرف معناها، ولا يدرك مصدرها. كلماتٌ تتدفق من أعماق روحه، كأنها أنهارٌ من نورٍ تحاول أن تشق طريقًا في ظلمة وجوده. كان يرى فيها وجهًا لا يعرفه، وجهًا لوطنٍ حالمٍ، يئن تحت وطأة النسيان.
في كل ليلة، كان يجد نفسه يصارع بحرًا من الأفكار، لا بحثًا عن شواطئ الأمان، بل مجرد محاولة لكي لا يغرق. كان يكتب، لا ليعبر عن شيء، بل ليثبت لنفسه أن هناك شيئًا يستحق التعبير عنه. كان يلمح بصيصًا من نور، لا ليهتدي به، بل ليعرف أنه لم يُفقد بعد.
في إحدى الليالي، بينما كان يكتب آخر كلمة في ورقته، سمع صوتًا خافتًا، صوتًا يشبه الأنين. نظر حوله، فلم يجد أحدًا. الصوت يتكرر، يأتي من داخل الجدار. قام “آدم” بتردد، ووضع أذنه على الجدار، فسمع صوت أنفاسٍ ثقيلة، وصوت قلمٍ يخدش بياضَ ورقةٍ.
انفجع “آدم” عندما أدرك أنه لم يكن يكتب في غرفته، بل كان يكتب على الجانب الآخر من الجدار، حيث سمع صوت أنفاسٍ ثقيلة، وصوت قلمٍ يخدش بياضَ ورقةٍ. في تلك اللحظة، تحولت كل الكلمات التي كتبها إلى صدىً باهت، وتحولت روحه إلى مجرد مرآةٍ تعكس ألمَ غريبٍ، يشاركه الجدارَ والليلَ والوحدةَ في الغرفة رقم 102.





