القصة القصيرة

أحزانُ جلالتهِ – د. وجدان الخشاب / العراق

صورة لامرأة ترتدي حجابًا ملونًا ونظارات شمسية، تعبر عن التأمل في خلفية زرقاء

                                     

( جلالته )

   يتكوَّر في فراغ يدور هائمًا ليطلق روائح نبراته في ليالٍ ونهارات تظل تنزف عرقها … لتنعم بدفءٍ مؤقت الحضور ينشر هذياناته … ثمَّ ينصرف
مسرعًـا… فتعود نبراته باحثة عن دفءٍ… لا دفء له… فتأرق ( جلالته ) … وهو ينزف ألق أيامه واشراقاتها ليدفع الى كونه نظامًا وانسجاما.. كما تدّعي اعلاناته…

في صمت حضوره… عيناه وحدها تمتلك الكلام… تؤشر وجودها بحروف تراصفت في ذاكرته من زمن، لتعلن جملة تنقلها المسافة بين كون
( جلالته ).. والكون الآخر… كون ( مُعلَّق ) في رهبة استماع:

… أنا أحيا من أجلكِ…

يكرر الهواء الساكن المُفاجأ:

… أنا أحيا من أجلكِ…

ال ( مُعلّق ) يتسمّع لحروف ( جلالته ) التي تصطف… تشرِّع الأبواب.. تومض بأحلام.. والأحلام هواجس جوَّابة تدور في أركان جسده المغلق… ثمَّ تطفو أمام عينه المغلقة بفعل نومٍ يقلق تاريخها وأزمنتها المنقولة عبر مكان لا يعرف حدود وجوده.. لكنَّها ـ هي الأحلام ـ مَن يُلقي بظلاله على الأشياء والأجساد… وغالبًا على الذاكرات التي تشتعل بألقٍ يتجوَّل… ألق ( جلالته ) المسفوح في غرفة مظلمة وهاتف يوصل المسافات… يكوِّرها لتلقط الوهج الملهوف… ذاك الوهج الذي أراد له أن ينهض لينهض العالم معه… فينهض … يرقى الى الذروة خطوة…

       خطوة…

       خطوة…

 ثمَّ يتصفَّر…

وأنتَ… يا ( مُعلَّق )… على مشجب من ظلام وضلال… وتحلم أن تُزوَّل الى بقعة من عالم لم يفتح كوّاته بعد… تحنُّ الى المشجب… وترنو الى تعليقك  المباح منتظرًا ايقاعًا هامسًا لحلم هائم بلا أجنحة… فربما – بالصدفة تمامًا – يدفع جوابًا الى فوهة سؤالك المُعلَّق هو الآخر…..

السؤال يتلبّس بالصمت… يتلحَّف بالندم… وينتظر عند حافة زمن مغلق حين ينفتح.. يتقاطر لحظة…

 لحظة…

 لحظة…

لكنَّه يسأم أخيرًا…

يسأم تمامًـا…

فتنزلق مجسّاته المطـبّـقة غصبًا لتهجس عالمكَ المفروش بالأنياب والمخالب … والعيون التي تدَّعي… والوجوه التي تتقنع بجلد يتصلب ويتحفز ليرد السؤال خاويًا بلا جواب… المشجب يترقب… يعلن احتجاجًا لاهفًا.. وأنتَ.. أنتَ… يا ( مُعلَّق ) ترقب ولا تعلِّق… لأنَّ السؤال ظلَّ مُعلِنًا عن حضور روائحه… والساعة تقرع أجراسها بدقات تُراكِمُ الساعات الأخيرات من ليلٍ موصلي… الموصل تغرق في دفقة برد ومطر… تنطفئ مولدات الكهرباء… فينفتح الفضاء لاستقبال الزائر المائي المتناثر على الرؤوس العارية… تلتم الأصابع.. فتشتبك أحلام الدفء، وهواجس ليل مطير تملأ عنفوانه نبرات كاظم الساهر: أخاف أن..

تمطر الدنيا..

ولستَ معي..

الآن…

الآن… يا ( مُعلَّق ) يرنو المشجب الى حروفك المتدفقة التي طالما تساءلت:

لماذا… أحيا… ؟…؟

أعوامي تراكمت وراء متاريس من ألم مُقنَّع وخفقة تائهة ولحظات لا تكاد تعلن عن حضورها إلاَّ وتنطبق أبواب وجودها ببلاهة…

والسؤال ذاته يعلن عن حضوره … والجواب يظلُّ في والضلال معًا… أرواح الساعات والأجساد وخفقات ذاكراتها… ألق التجارب وظلمتها.. خيوط الروح التي تفتت نثارًا.. الذات التي عايشها الصمت… أو الكلام… كلها تساءلت:

يا ( مُعلَّق )

لماذا… أحيا ..؟..؟

تنفتح ظلمة السؤال فيرنو ( هايدجر ) الى قلقكَ المبثوث على ملامحك المتوترة … ليعلن منقطعًا عن صمته:

… ما أُلقيتَ في العلم إلاّ…

لتبدأ مسيرتكَ… نحو الموت

يا ( جلالته )…

أنا… أنتَ… هُم:

نُعلَّق ـ دائمًا ـ من رقابنا على حبل زمن دائري المسار … يكاد أن يقف في نقطة غير متوسطة بين ليل الماضي وليل المستقبل … يرفع عكازتيه ليطرد النبل والسفالة معًا… الجمال والقبح معًا… ويرفع ذراعيه ليواجه عاصفة الصمت التي روَّض قطيع الكلمات… ودجَّنها لتشرب من ماء البحر ثمَّ تنسرب الى عيون وذاكرات وقلوب تستقبل نثارها المالح وتغرق… تغرق تمامًا في عنفوانه الذي يُلدِّغ أيامها… ويسرِّع مسيرتها نحو حفرة محرومة… وحارمة معًا…

الموت يضيء الحفرة الضيقة… يلملم نثارات ترابها… يعطِّرها… ويركن متربعًا على حافة شاهدة… فيما تدور دمعة في عينيك يا ( مُعلَّق )… دمعة لا تعرف طريق خروجها… فتغسل الحدقة ثمَّ تنسرب الى البؤرة التي ولدتها لتغفو مرَّة مضافة .. في ظل اشراقها أو عتمتها.. لا.. فرق

و( جلالته ) يترك الزمن مُعلَّقًا في عتمة ويطلق أصابعه لتجول على شبكة ما … تشمُّ روائحها فتنفتح أبوابها لاستقبال الأصابع والنبرات معًا… فيما يبدو (هايدجر ) هابطًا في عتمة حضور لم يعد متألقًا…

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading