القصة القصيرة

في بيتنا فان غوخ –  إيمان البُستاني

A contemplative man with a greenish complexion and reddish beard sits at a wooden table, sipping coffee. The scene includes a coffee pot, pastries, and a view of a cityscape through the window.

عندما مر من امام دارنا ، كان الوقت صباحاً ،  دعوته لفطيرة تفاح ثمارها من حديقة الدار……..كان هزيلاً  يرتدي ملابس ملونة اكثر مما ينبغي وكأنه مهّرج  و يحمل عدة الرسم معه كبائع متجول .

خلع عند الباب حذاءه الأسطوري الذي رسمه في باريس وخلّده في لوحة ، ثم جلس يرسم ويحكي.

قال لي إنه من برج الحمل: عنيد، لكنه يحب الخير للناس.

أخبرني أنه ورث الفن عن والدته، اراد تقليد والده بالتحول إلى قس لكنه فشل و ترنح بين اللاهوت والفن ، يحب الطبيعة ويكره الجدران، وينوي شراء بيتٍ أصفر ليعيش فيه بسلام، تأثر بمعاناة المتعبين والفقراء و عمال المناجم حين رافقهم في شمال هولندا ،حتى اخرج كل ما في جيبه واعطاهم اياه.

كنت أحدّق في وجهه وهو يرسم؛ لم أتبين أن أذنه كانت ما تزال في مكانها بعد؟ 

تحدثنا بالألمانية، كان ينقع فرشاته بطرف لسانه حتى تحولت شفتيه إلى ساجة للألوان ، شرب قهوته حتى آخر رشفة، وهو يحدثني عن حبه لاخيه ثيو  و عشقه للوحات رامبرانت حين كان في لندن ، لم يعتد على نكهة الفن الانكليزي في البداية ثم تعوّد عليه عندما كان يتردد على المتاحف البريطانية بواقع اربع زيارات في اليوم ! حدثني كيف احتفظ  بمطبوعة  من صحيفة لندنية عن كرسي تشارلز ديكنز المهجور ، الذي احبه كثيراً حسب قوله،  طوال حديثه كان يدّخن مثل قاطرة في شتاءٍ بارد، ثم نسي نصيبه من الفطيرة… وخرج

تركَني واجمة وسط المطبخ بهيئة موديل رسم ، رائحة القهوة والدخان ما تبقى في المكان ، ولوحةٍ لم تكتمل،وقطعة فطيرةٍ باردة… كأنه مرّ فقط ليؤكد أن العباقرة لا يجوعون ، نسيت أن أسأله إن كان سيرجع يومًا ليأخذنصيبه من الفطيرة… أو من الحياة؟

أغلق الباب وراءه بهدوء، تاركًا الكرسي دافئًا، والدهشة معلّقة في الهواء.

مضى بخفّة، كما يفعل الفنانون دائمًا بعد أن يتركوا الفوضى خلفهم ويُقسموا أنها “فن”.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading