القصة القصيرة

الخيمة الطائرة – أ.جهاد جحزر- اليمن

رجل يجلس على أريكة مع خنجر في حزامه، يرتدي قميصًا داكنًا وشالًا رماديًا، يظهر عليه تعبير جاد.

​لم تعد يداه المتشققتان قادرتين على لجم الوحش الأبيض؛ انقطع الحبل الأخير، وفي لحظة فارقة، فُتح قفل القفص. طارت خيمته المهترئة في الفضاء الثلجي كحمامة سجين تذوق الحرية لأول مرة، تاركةً إياه عارياً أمام الصقيع.

​جثا على ركبتيه، يقتلع من راحتيه خيوط القنب التي انغرزت في جلده الهزيل كإبرٍ محمومة. كانت دموعه الحارة تشق أخاديد في الثلج المتراكم على وجنتيه، كأنها تحاول استرداد دفءٍ ولّى. استجمع حطام قواه، وراح يلتفت بجنون يمنة ويسرة، يمزق الصمت بمواجع أسمائهم:

“فادية.. كريم.. جنى.. يس!”

​كان يفتش عن أثر لنفسٍ دافئ، أو وميض لعين تتحرك وسط البياض القاتل. لا شيء.. لقد ذرتهم الرياح مع قماش الخيمة. انزوى خلف عمود خرساني ناتئ، كان هو “الشاهد” الوحيد على أن منزلاً واسعاً بضحكات صاخبة كان، يوماً ما، يشغل هذا الفراغ.

​رفع كفيه المرتعشين بـ”شلال أرجواني” يتدفق من بين شقوق جلده الثلجي، ووجه بصره نحو السماء:

​”يا قوي يا جبار.. نحن راضون، ممتثلون. لا يضيرنا فقدٌ ولا أذى في سبيلك.. كن لنا يا رب.”

​قطع خلوته طاقم إنقاذ، أحاطوه بجاكت رمادي ثقيل، وحملوه نحو سيارة الإسعاف. هناك، حاول النهوض بجسده المنهك، لكن الأيدي الرقيقة أعادته بلطف: “اهدأ.. كل شيء سيكون بخير.”

​صرخ فيهم بمرارة: “هل بينكم صحفي؟”

​برزت مراسلة بخوذتها الزرقاء، وجهت عدستها نحوه: “أنت على الهواء الآن.”

اتكأ على يديه الملفوفتين بالشاش الأبيض، وأسند ظهره إلى صدر أحدهم، وقال بنبرة تقطر عزة:

“الله لا يبتلي إلا الصادقين. نحن شهداء على كل حال، ولا فرق.. لكن، لا يحز في نفوسنا إلا نمط الموت هذا. كنا نفضل الموت الدافئ؛ موت المسافات الصفرية، والالتحام الشخصي عند فتحات المدرعات الهاربة.. هناك، حيث يحمى الوطيس في كمائن الجحيم.”

​قاطعته المراسلة بتأثر: “أنتم أبطال الدنيا.. ستنتصرون، وستلتحق الأمة بركب جهادكم.”

​ضحك بمرارة مكتومة: “أي أمة يا ابنتي؟ لن يأتوا.. من ذهب إلى ‘هناك’ لن يعود إلى ‘هنا’.”

​ساد صمت مربك، وتبادل المسعفون نظرات حائرة: “ماذا تقصد؟”

أشار إليهم أن يدنوا منه، فتلاقت رؤوسهم عند رأسه المتعب، ليهمس في آذانهم بسرٍّ ثقيل كالجبال:

​”كلهم ‘أبستنيون’*.. لقد ذهبوا جميعاً إلى هناك، فكيف يجيئون إلينا؟”

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading