عُـمْـرٌ فَاتَ، وَكَـمَـدٌ حَتّى الـمَماتِ – حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ – مصر

مُـنذُ أَيّـامٍ، وَعَـلَـىٰ حافَّةِ الطَّـرِيقِ فِي أَقاصِيَ غَزَّةَ كَانَ الغُـبَارُ يَـعْلُو مَعَ كُلِّ نَسْمَةٍ عابِرَةٍ، وَالسَّـماءُ تَـمِيلُ إِلَى حُمْرَةِ الـمَغِيبِ، كَأَنَّهَا تُـشَارِكُ الأَرْضَ حُـزْنَهَا.
هُـنَالِكَ أَبْصَرْتُ شَيْخًا قَدْ أَحْنَىٰ الدَّهْرُ ظَهْرَهُ، وَأَثْقَلَتِ الأَيّـامُ حِمْلَهُ؛ فَيَسِيرُ بِـخُطًا مُتَثَاقِلَةٍ، كَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تَقْتَطِعُ مِن أَنْفَاسِهِ قِطَعًا مِن عُمُرِهِ، فَيَتَّكِئُ عَلَى خُطَاهُ، بِـرِفْقَةِ عَصَاهُ، يَسِيرُ كَمَا لَوْ كَانَتْ خُطَاهُ عَصًا وَاهِنَةً. يَجُرُّ قَدَمَيْهِ جَرًّا، وَكُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهُ تُحَدِّثُ عَنْ عُمُرٍ أَثْقَلَتْهُ السُّنُونُ بِمَطَارِقِ الْقَهْرِ، وَسِنْدَانِ الْوَجَعِ فِي السَّحَرِ، يَا لَهَا مِنْ عَيْنَيْنِ غَائِرَتَيْنِ فِي بِئْرٍ مِنَ الإِعْيَاءِ، وَمَلامِحُ نَقْشٍ بَاهِتٍ عَلَى صَفَحَاتِ السِّنِينَ سَطَّرَتْ بِهِ الأَدْوَاءُ كُلَّ دَاءٍ، يَنْطِقُ بِلا كَلامٍ عَنْ حَيَاةٍ لَمْ تُنْصِفْهُ يَوْمًا، وَعَنْ عُمُرٍ أَفْنَاهُ كَمَدًا، وَبَسْمَةٍ لَمْ يَذُقْهَا دَوْمًا.
بِجَانِبِهِ، وَبِرِفْقَةِ يَدِهِ تَمْشِي زَوْجَتُهُ الْعَجُوزُ، مُتَوَارِيَةً تَحْتَ خِرْقَةٍ بَالِيَةٍ تَحْمِلُهَا عَلَى رَأْسِهَا. لَمْ تَكُنِ الْخِرْقَةُ ثَوْبًا فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ بَيْتًا صَغِيرًا مُتَنَقِّلًا، تُخَبِّئُ بَيْنَ طَيَّاتِهَا مَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاةٍ مُتَدَاعِيَةٍ لِقِطْعَةِ قُمَاشٍ بَالِيَةٍ، وَبَعْضَ فُتَاتِ خُبْزٍ جَافٍّ.
كَانَتْ خُطُوَاتُهَا أَضْعَفَ مِنْ أَنْ تُقَاوِمَ الرِّيحَ، وَحَرَارَةُ الشَّمْسِ الْمُتَوَهِّجَةِ غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ تُصِرُّ عَلَى أَنْ تَسِيرَ بِمُحَاذَاتِهِ، كَأَنَّمَا تَقُولُ لَهُ بِصَمْتٍ، وَبِفِعْلٍ دُونَ قَوْلٍ: «لَنْ أَتْرُكَكَ وَحْدَكَ».
وَقَفَا بُرْهَةً؛ لِيَسْتَرِيحَا، رَفَعَ الشَّيْخُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنَاخَ عَكَازَهُ فِي الْعَرَاءِ، وَفِي عَيْنَيْهِ سُؤَالٌ يُرَاوِدُهُ: «أَهَكَذَا يُكَافَأُ الْعُمُرُ الطَّوِيلُ؟ أَبِهَذَا الاِنْحِنَاءِ يُخْتَتَمُ مَشْوَارُ رَجُلٍ عَلِيلٍ؟» لَمْ تُجِبِ الدُّنْيَا عَلَيْهِ إِلَّا بِصَمْتٍ عَمِيقٍ لَا يَسْتَفِيقُ، لَمْ يَبْدُ مِنْهَا أَيُّ بَصِيصِ أَمَلٍ سِوَى حُمْرَةِ الْمَغِيبِ الَّتِي بَدَتْ كَجُرْحٍ غَائِرٍ يَنْزِفُ فِي الْأُفُقِ.
يَا لَقَسْوَةِ الْأَيَّامِ! كَيْفَ تُدِيرُ ظَهْرَهَا لِضَعِيفَيْنِ قَدْ أَفْنَيَا عُمْرَهُمَا فِي صَبْرٍ، وَكَدٍّ، فَإِذَا بِالشَّيْخُوخَةِ تَسْتَقْبِلُهُمَا بِيَدٍ خَاوِيَةٍ، وَدَرْكِ الْهَاوِيَةِ؟ أَيْنَ غَابَتِ الإِنْسَانِيَّةُ؟ وَلِمَ صَمَتَتْ دَفَقَاتُ الْقُلُوبِ؟ لَقَدْ آثَرَتِ الدُّنْيَا أَنْ تَتْرُكَهُمَا فَرِيسَةَ الْعَرَاءِ؛ لِجُوعٍ، وَوَحْدَةٍ، بَدَلَ أَنْ تَفْرِشَ لَهُمَا بِسَاطَ الرَّاحَةِ فِي آخِرِ الدَّرْبِ.
أَدَرْتُ عَنِ الْمَشْهَدِ بَصَرِي، لَكِنَّهُ ظَلَّ مَحْفُورًا بِقَلْبِي، كَأَنِّي أَحْمِلُ ثِقْلَ الْعَالَمِ كُلَّهُ عَلَى ظَهْرِي، وَأَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ بِصَدْرِي، وَمَضَيْتُ أُرَدِّدُ فِي نَفْسِي: مَا أَشَدَّ بُؤْسَ حَيَاةٍ تُبْنَى عَلَى أَنْقَاضِ الرَّحْمَةِ ! ؟
وَلَيْسَ أَبْغَضَ طَعْمًا، مِنَ الدُّرْيَانِ سِوَى أَيَّامٌ تَمُرُّ، بِطَعْمِ الْمُرِّ! ، لَكِنْ أَعْظِمْ بِعَزَاءِ قَلْبٍ يُسَلِّمُ الأَمْرَ لِمَنْ وَصَفَ نَفْسَهُ عِنْدَ السُّؤَالِ بِالْقَرِيبِ، وَلَا يَخْذُلُ رَاجِيَهُ بِالْمَغِيبِ: ﴿وَلِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾.





