أيام بلا ثمن – م. مهاب حسين/مصر
هبط من الترام، عبر شارع “الحرية “المكتظ من الجانبين، جلس على المقهى المجاور لمحطة “سيدي جابر”، صافحه الجرسون وأحضر كوباً من الشاي يتدلى منه أوراق النعناع، تصفح الجريدة اليومية، ثم طواها ونحاها جانباً.
أخذ يرقب حركة المسافرين الجالسين من حوله، يركنون حقائبهم أسفل أقدامهم، يحدقون في عقارب الساعة بين الفينة والأخرى.
فتح معطفه الملتف حول جسده النحيل، ليستقبل خدر نهار الشتاء اللذيذ..
جرفه تيار الذكريات..
هاهم يقبلون نحوه من صوب المحطة،
يستقبلهم بالأحضان والقبلات، يتعلق ابنه الصغير برقبته، يلف ذراعه حول خصرها ويتضاحكان.
عمله كرئيس محكمة أرغمه على البقاء بعيداً عن القاهرة حيث مدارس الأولاد وعمل زوجته كمديرة مدرسة.
ظلوا يتقابلون نهاية كل أسبوع كالأعاجم.
مما أتاح لهما فرصة تذوق طعم الفراق و لهفة اللقاء.
ظهر عم “علي” ماسح الأحذية، ألقى عليه التحية، ترك له الحذاء في حركة لاإرادية ليمارس عمله المعهود في دأب.
مضت السنون..
ماتت الزوجة وكبر الأولاد وسافروا ليعملوا في بلاد بعيدة، أما هو فمازال على العهد، بأتي مطلع كل أسبوع، ينتظرهم على المقهى وعيناه معلقتان ناحية محطة القطارات،
يجتر الماضي.
تتجلى أطيافهم بثقل الكائنات الحية:
“أراهم يهلون بثغرهم الباسم يلوحون لي، أتلقف فرحتهم، نلتم في حميمية، يسري الدفء في أوصال المدينة الغارقة في سباتها،
نجوب شوارع الأسكندرية، يبرق المنار بومضاته الخاطفة خلف مراكب الصيد القابعة أمام الميناء”.
التفت بغتة.. فلم يجد أحداً!.. لاشيء غير الخواء وصدى أنفاس متقطعة.
خفتت حركة الرواد من المقهى، سماء الشتاء القادمة من البحر تغري بالرحيل، تبعث في نفسه آيات الفرح والنشوة..
يستشعر دفئاً غريباً.. وتنداح في أنفه رائحة ملوحة البحر، فيتوق للغوص في سفنها الغارقة في ضباب الذاكرة.
يدفع الحساب ثم ينصرف واجماً، يسير بعقل شارد.. يعبر بوابة المحطة، القطارات متراصة بلونها الرصاصي كعيون محدقة.. دكك الأنتظار تشغي بالراحلين.
المفتش يرن الجرس.. المسافرون يتقافزون من كل حدب، الباعة يصيحون في صخب.
حدق في ساعة المحطة..
هرول الزمن..
أخذ قراره، عله..
يلحق بالقطار الذي غيبهم عنه منذ أكثر من عشرين عاماً!.




