خريف الأقنعة – أ.جهاد جحزر -اليمن

انخلع من غلالة الضباب الجبلي كصخرة أهوت من حالق. لم تكن الصواعق وحدها ما طرده من محرابه السري؛ كانت مطارق القضاة التي طالما انزلقت عن جدرانه الملساء دون أن تخدش صمته. لعقود، ظلت قدماه حبيسة “كهوف الحذر”؛ يطأ العتمة خلسة، ويتنفس هواء المنافي البارد قبل أن يندسّ في ضواحي الاستقطاب الملتهبة.
فجأة، وجد نفسه يتمدد في وديانٍ لم ترَها عيناه إلا في الخرائط. أحاطت به وجوهٌ لم يختارها، تحمل له “عباءة القيادة”. وقف يخطب، وحوله حشودٌ تلطم وجوهها بانتظام، تقتات على مرارةٍ قديمة صنعها الساسة. اندفع موكبه في طريقٍ مرصوفٍ بالوعود، حيث تنحني الرقاب لهيبة “خزائن قارون” المفتوحة، وتصفق الأيدي التي امتلأت بعطايا الولاء قبل أن تمتد للتأييد.
ببدلة لم يمسسها غبار، وسجادٍ أحمر ينسكب تحت قدميه، مرّ عبر قرى “البؤس”. هناك، كان الرفاق يرتدون قمصانهم القاحلة، يلوكون قطع الكيك اليابسة، ويمسحون بقايا حليب “يماني” عن شفاههم الذابلة. لم يرَهم.. كانت “أيادي الظل” تشدّ خيوط خطواته، تقوده إلى المنصة حيث الكلمات “قرآن مقدس” لا يُناقش.
خلف الحدود، كانت الدبابات تدهس سنابل السلام. صمتت الأصواتُ إلا من عواء القذائف. توسلات المنطق جرت تصفيتها في آبار “التخوين”. وفجأة، انشقت السماء؛ حممٌ هطلت على خوذٍ ظن أصحابها أنها منيعة ضد الحقيقة.
“عودوا من حيث أتيتم!”
صرخةٌ فجرت الآذان التي لم تكن تسمع إلا صدى “النصر أو الشهادة”. وفي الصحارى الواسعة، كانت الدبابير تلسع رمل السراب وتنفجر، فيما “نحل دوعن” يحلق فوق جثث الوهم، يمتص رحيق الصمود من أزهار الإباء، ويسكب عسله المر في حلوق المخلصين.
توقف الزمن عند “24 ساعة”. بصوت “بلفقيه” الشجي، كانت المهلة تنزف. في تلك الليلة، كانت الشاشات تلوك مفاهيم “التموضع العسكري”، فيما كان هو يخلع بدلة “الثائر” في العتمة.
على الشاطئ، كان هناك قاربٌ مطليّ بلون الموج، لا يراه حتى القمر. لم تكن سبابته ووسطاه المرفوعتان علامة نصر، كانت “إبهامه” المختبئ خلفهما يشير طوال الوقت إلى هذا الزقاق المائي.
أشرقت الشمس على شوارع تسأل: “أين الرأس الكبير؟”. الأمواج وحدها كانت تلطم الشط، حاملةً بقايا أثر لرجلٍ مرّ من هنا إلى الضفة المجهولة. يبدو أن تعاويذ “الإمام” قد فقدت مفعولها؛ فترك جنود الحقيقة يطهرون رأسه من “مسّ العظمة” بطريقتهم الصارمة.





