غياب – د.فاطمة الديبي

في الغرفة التي ما زالت تحمل رائحة عطره، تجلس وحيدةً. تتأمل سكون المكان الذي اعتاد أن يملأه صخب الحياة. نافذة الغرفة المفتوحة لم تكن لتجلب إلا هواءً حارّاً يذكّرها بذاك اليوم الصيفي الذي يحمل في طياته ألماً لا يمحوه الزمن. يداها تتلمّسان غلاف كتاب قديم على الطاولة، وكأنها تبحث بين صفحاته عن ماضٍ لم يغب عن بالها قط. في كل زاوية من زوايا الغرفة، تتراءى لها صورته وابتسامته التي كانت تشرق كالشمس. غاب، وغاب معه دفء الأيام.
انزوت على نفسها على كرسيٍّ خشبيٍّ قديم، وأخذت تفكّر فيه وتسترجع شريط الذكريات. كان هو سندها، ملاذها الآمن من قسوة الأيام. كانت في كل مرة تقع فيها أو تضعف، تجد يديه الممدودتين إليها لتنهض من جديد. لكن منذ أن غاب، شعرت أنها أصبحت وحيدة في هذا العالم، غريبة في وطنها. في كل يوم تتوق لحديثٍ معه، ولصوت ضحكاته التي كانت تملأ البيت حياة. وفي كل مساء، كانت ترفع عينيها إلى السماء وتناجيه في صمتٍ وتتساءل: “هل تسمعني يا أبي؟”.
في هذا اليوم، التاسع والعشرين من غشت، وفي الذكرى الرابعة لرحيله، قررت أن تكتب له ما يجول في خاطرها. أمسكت بقلمٍ وورقة، وحاولت أن تجمع شتات كلماتها لتصف له ما حلّ بقلبها منذ أن تركها ورحل.
“أبي الحبيب،
أكتب إليك اليوم، في الذكرى الرابعة لرحيلك، وأحاول أن أجمع شتات كلماتي لأصف لكَ ما حلّ بقلبي وروحي منذ أن تركتنا ورحلت. أربعة أعوام مرت كأنها لحظات، وفي ذات الوقت، كأنها دهر طويل لا ينتهي. فبعدك يا أبي، لم تعد الحياة كما كانت، بل أصبحت مجرد أيام متشابهة تفتقد لحضورك الذي كان يملأها بالدفء والأمان.
أتذكر جيداً ذلك اليوم المشؤوم، الذي أخذك مني إلى الأبد. أتذكر آخر نظرة، وآخر كلمة، وألم الفراق الذي اخترق قلبي كالسهم. في تلك اللحظة، شعرت وكأن جزءاً من روحي قد انتُزع مني، وترك مكانه فراغاً هائلاً لا يمكن لأي شيء أن يملأه. كنت أنت سندي، أنت أماني، أنت الحائط الذي أستند عليه عندما تضعف قواي. كنت أنت مرشدي في الحياة، ومصدر حكمتي وقوتي. ومع غيابك، شعرت أنني أصبحت وحيدة في هذا العالم الواسع، تائهة في بحر لا أعرف شاطئه.
منذ رحيلك، صار الحزن رفيقي الدائم. كل يوم يمر، أبحث عنك في كل زاوية من زوايا هذا البيت الذي كان يجمعنا. أتخيل أنني سأسمع صوتك تناديني، أو أنني سأرى ابتسامتك الحنونة. ولكن لا أجد سوى الصمت والفراغ. كل ضحكة أضحكها ناقصة، وكل فرحة أشعر بها ممزوجة بمرارة الغياب. فكيف لي أن أفرح وقلبي ينزف ألماً على فراقك؟ كيف لي أن أواصل الحياة وكأن شيئاً لم يحدث، بينما ألم فقدانك يمزقني من الداخل؟
يعلم الله يا أبي كم أتمنى لو أنني أستطيع أن أعود بالزمن، لأحتضنك ولو لمرة أخيرة، لأخبرك كم أحبك وكم أشتاق إليك. أتمنى لو أستطيع أن أخبرك عن كل شيء حدث في غيابك، عن النجاحات التي حققتها، وعن الصعوبات التي واجهتني. كنت دائماً أول من ألجأ إليه، وأول من أشاركه أفراحي وأحزاني. والآن، أشعر أنني أتحدث إلى نفسي، وأن كلامي يذهب أدراج الرياح.
لكن عزائي الوحيد يا أبي هو أنني أراك في كل خير أفعله، وفي كل كلمة طيبة أقولها. أنت لم ترحل، بل أنت موجود في داخلي، في كل جزء من شخصيتي، في كل صفة ورثتها منك. سأظل أعيش على مبادئك وقيمك، وسأحمل اسمك بكل فخر واعتزاز. سأجعل من ذكراك قوة تدفعني لأكون أفضل، لأحقق ما تمنيت لي أن أحققه. وسأظل أدعو لك حتى يجمعنا الله في جناته، حيث لا فراق ولا ألم.
نم قرير العين يا أبي الحبيب، فذكراك باقية في قلبي ما حييت، وحبك لن يغيب أبداً.
ابنتك التي لن تنساك أبداً”.
طوت الرسالة بعناية ووضعتها في ظرف أبيض. وقفت، وهي تحمل الظرف في يديها، ثم سارت بخطوات ثقيلة إلى مكتب والدها في زاوية الغرفة. بحركة بطيئة، فتحت أحد الأدراج، ووضعت الرسالة بالداخل. أغلقت الدرج بهدوء، وكأنها تودع سرّاً لن يكشف أبداً. ألقت نظرة أخيرة على الغرفة، أطفأت النور، وأغلقت الباب خلفها، ثم نزلت السلالم لتعود إلى منزلها، تاركة وراءها ذكراها، وبعضاً من قلبها.





