القصة القصيرة

مذكرات الرمل – أ.جهاد جحزر -اليمن

صورة لرجل ذو شعر قصير ولحية خفيفة، يرتدي قميصاً أبيض، يعتقد أنه يتحدث بجدية في بيئة داخلية.

سألني بهدوء: “هل قرأت مذكرات الرئيس؟”

أومأتُ. “نعم.”

“هل كان مُنصفاً؟”

ابتسمتُ ابتسامةً عابرة: “في أي جزء منها تحديداً؟”

التقطتُ نفساً عميقاً. إنها ليست سوى تجميع رديء لما اجترّه الأتباع. هي صفحات ناصعة الخطوط، كُتبت بأقلامٍ استأجرها المقرّبون، فصول كاملة دُوِّنت على منابر وصحف تسبحُ في مدحهم ليل نهار. كل كلمة فيها خُطَّت لتجميل الوهم.

نظر إليَّ بتمعّن: “هل هذا افتراضك؟”

هذا يقينُ كل من سبر غور الكواليس. الرؤساء وكبار القوم يُمضون حياتهم في قتل الرؤى. عملهم الدائم هو سجن العقول، خنق الأنفاس النقية. لا يجدون ما يدوّنونه في سجل الزمن غير رقصات المطبلين. صور المرافقين اللامعة. قصائد المتزلفين الباهتة. هذا وحسب هو تاريخهم يا صديقي. إنهم لا يتركون خلفهم أثراً جميلاً تستند إليه الأيام أو الأجيال القادمة. تلك هي طبيعتهم. شهوةُ الحُكمِ تُطفئ نور البصر. يتلذذون برونق الكرسي، يستمتعون ببهجته أمام وجوه الكادحين، البسطاء، وعموم الناس.

مال نحوي. اقتربت ركبتا خوفينا حتى التصقتا. دنا مني اندهاشاً مما سمع.

“لكن، بعض الحقائق المعروفة للجميع وردت في ثناياها.”

لا أحد يستطيع إنكار هذا. حقائق قليلة كذرات الرمل. قارن حجمها الضئيل بأعمار عروشهم، بعوائد الثروات الهائلة، بفرص التقدّم التي أُهدرت. النتيجة: صفر.

تنهد خافضاً صوته: “ربما أصبتَ.”

هي الحقيقة المجردة.

“وهل تُعتبر سيرة الحُكّام هذه مرجعاً يُوثق به؟ هل يجوز تفتيش زواياها كوثيقة تاريخية؟”

عندما يُصدر الزعماء مذكراتهم يكون الأوان قد فات. أيديهم التي تُرعشُ لم تتدرب قط على سرد الأحداث. كانت مشغولة بأمور أخرى أكثر أهمية، أشد إلحاحاً. الآن، هم أنفسهم لا يستطيعون قراءة ما كُتب بأسمائهم. باتوا بلا ذاكرة. لقد أكلت دابة الأرض منسأتهم. ماذا بوسعهم أن يفعلوا؟

العظماء والقادة حقاً، مذكراتهم الحقيقية هي بصماتهم على الواقع. هي مواقفهم الراسخة. التاريخ هو من كتبها لهم بمداد من نور. دون أن ينتظر عليهم أجراً، أو جزاءً، أو شكوراً.

ساد صمتٌ ثقيل. قال: “إذًا، امتلأ إدراكي للواقع والمنطق.”

“وأين نضعها الآن في رأيك؟ هل تستحق مكاناً ما على رفوف الزمن؟”

نظرتُ إلى الوراء، نحو مكتبة ضخمة تغطي الجدار بأكمله.

“ضعها حيثما تشاء. ربما تزاحم عناوين المكتبات الأخرى لبرهة.”

ومددتُ يدي، مسحتُ إصبعي على غلاف مذكرات الرئيس الموضوعة أمامي على الطاولة. عادت يدي وهي مغطاة بطبقة رمادية كثيفة.

“…لكن غُبار الإهمال والتجاهل سوف يدفنها تماماً.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading