القصة القصيرة

تقاطع الإحداثيات الملعونة – أ.جهاد جحزر

584984406 122241055022173857 5413191276668012935 n

كانت شمس الأصيل تنزلق بحمرتها الباهتة خلف كتل الخرسانة، تاركة ظلال المباني تتطاول في سباق محموم مع الغسق على امتداد شارع “خولان”. كانت قناديل المساء الشمسية تترنح بومضات قلقة، تحاول الفرار من السقوط في حفر الصرف الصحي التي يلقبها العابرون ساخرين بـ “الجاكوزيهات”. وسط هذا الزحام، كان هشام يغلق نافذة يومه الشاق بابتسامة يتبادلها مع زوجته، وفي المقعد الخلفي كانت ريحانتاهما تضجان بضحك بريء؛ تلخصان سعادة نزهة قصيرة في غمزات رضا وإشارات فرح لم تكتمل.

لم يلحظ هشام تلك العيون الحمراء التي كانت تقتفي أثره من بعيد. كان مجرد رقم في عدسة قناص، وهدفاً مرسوماً بعناية في تقاطع إحداثيات طيش لا يعرف الرحمة. هشام، ذلك الكادح الذي لم يخاصم أحداً قط، كان يحمل في قلبه شموخ جبال بلاده ووعورة أحلامها؛ هو واحد من فرسان الرصيف الذين يقاتلون البطالة بسلاح الرزق الحلال، ويجوبون الأسواق بمدرعات إرادتهم الفولاذية.

عند “جولة المرور”، توقف العالم قسراً.

انهمر الرصاص بلؤم مدروس، مخترقاً سكون اللحظة. بآلية فطرية، انحنى الأب والأم بجسديهما، وشكلا درعاً من لحم وحنان فوق طفليهما. ثوان معدودة، وانجلى غبار الدناءة عن صمت جنائزي ودخان أسود؛ تسربت دماء قانية من فراغات الحديد، معلنة انتهاء “الدوام الرسمي” للحياة في تلك السيارة.

ضجيج، وفوضى، وبيان أمني سريع يتحدث عن “إنجاز قياسي”. ظهر القاتل على الشاشة، بضفائر منسدلة ولغة متلعثمة، يقدم أسفه لأن الضحية “شَبَهٌ” لمقصود آخر في صراع ثأر لا ينتهي. بدأت مراسم الاحتواء؛ سِمان الأثوار والخراف تُساق لتهرق دماؤها في ساحة القبيلة، محاولة غسل الجريمة بمرق الأعراف البالية.

في المشفى، كانت الكاميرات تلتقط صور الطفلين “الناجيين”؛ وجوه مصفرة، شفاه متحجرة، وعيون غائرة في كهوف فزع أبدي. كانت الأخبار تضج بعبارة: “نجاة الطفلين ومصرع الوالدين”.

غير أن الطفلين، ومن خلف زجاج غرفتهما الباردة، كانا يريان حقيقة أخرى؛ فحين اقترب الطبيب ليدون التقرير النهائي، تمتم الصغير بصوت خاوٍ من الحياة، مشيراً إلى جسده وجسد شقيقته:

“أخطأت في الحساب يا سيدي.. نحن لسنا هنا. اللذان تراهما أمامك الآن هما جثتان تمشيان، فضع الرقم أربعة في خانة الموتى؛ نحن لم نعد نبضاً منذ تلك الرصاصة”.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading