خارج الكادر – جهاد جحزر

كطفل صغير ضاق ذرعا بكوفيته لم ينتظر أمه لتفك خيوطها، خلع خوذته الزرقاء ساحبا معها شتات فكره، راميا حقيبته الصحفية على سرير نومه، وبدأ في تفكيك سترته عن صدره ليرميها هي الأخرى كثوب بال في صباح عيد.
ألقى بنفسه على الفراش وغط في نوم عميق لم تعده للحياة طرقات والدته الرقيقة على باب غرفته. كانت تعلم أنه عاد من مهمة مرهقة وطويلة، وأن الفوضى الماثلة أمامها ليست سوى نتيجة التعب الزائد الذي لحق بابنها الصحفي البارع، الذي يحمل على عاتقه تغطية أغلب الفعاليات والأنشطة والاحتفالات الوطنية.
أعادت ترتيب مشهد الغرفة بهدوء ودعواتها بالتوفيق تطير من النوافذ إلى السماء. طرقات لطيفة تأكدت بها من صحوته، ثم عادت ثانية بعد دقائق وفي كفيها فطور يوقظ برائحته أهل الكهف. تناول فطوره بعد قبلات وضعها على جبين أمه التي تجلس جواره محدقة في شحوب وجهه، تمسح بحنانها على بقع سوداء تحت عينيه.
فجأة، رفع يده التي كانت تلامس أطرافها الطعام:
أمي؟
يا روح أمك.
تسلمي يا روح الحياة، من اليوم وصاعدا سأكون بقربك كل الوقت.
وعملك يا بني؟ من سيقوم به؟ هل حصلت على إجازة؟
نعم، لدي إجازة مفتوحة!
ما بك اليوم؟ قالتها وهي تتفحص ملامحه وطريقة حديثه الغريبة عن المعهود: بني، أنت تعرف جيدا أهمية حضورك، لن يستدعوا أحدا غيرك، أنت ذاكرة الوطن وأرشيفه وعدسته النقية وصوته العالي.
هناك الكثير لا تقلقي.
دنت منه أكثر: بني، هل ضايقك أحد؟
لا أمي لا، لكني قررت ترك العمل الصحفي تماما.
ماذا؟ مازلت تهلوس وقد أكملت فطورك!
أمي، ما قلته ليس هذيانا، بل قرار اتخذته بمحض إرادتي.
تثبتت نظراتها في عينيه كأنها تطلب تفسيرا، فارتمى بحضنها والدموع في عينيه: الحقيقة يا أمي أنني لست ذاكرة وطن، ولا أرشيف تنميته، ولا صوت بناءه، ولا إطار نهضته.
وما أنت؟ أخرجتها مسحوبة وهي تربت على رأسه.
أنا ابن هذا الوطن وخادمه، لكنني اكتشفت أن ما نقوم بمواكبته وتوثيقه ليس إرثا للوطن بل لأشخاص فقط! نفس الأشخاص يا أمي في مقر الحكومة، في الغرفة التجارية والصناعية، في نوادي المستثمرين، ولقاءات رؤوس المال والأعمال، في الجامعات، في مطارح القبيلة ودواوين مشيختها.. هم هم يا أمي، نفس الوجوه، فقط يغيرون بدلاتهم. القوانين التي نبث مراسيم سنها ليست سوى جسور لخطواتهم، والمشاريع التي نبث تدشينها ليست تنموية بل فرص استثمارية خاصة بهم يصفقون بإنجازها. ضحكاتهم يا أمي ليست فرحا بخدمة الناس، لكنها تعبير لا إرادي عن ارتفاع أسهمهم في بورصة الأرباح.
قطع سرده اتصال طارئ: جمال أين أنت؟ نريد ك حالا لتغطي سير المعارك المشتعلة.
وجدتها أمه فرصة عساه ينسى ما يدور برأسه: قم يا بني قم، هذا عملك.
لكنها انصدمت بقنبلة اعتذاره المدوية: أنا قدمت استقالتي من العمل الصحفي، ابحثوا لكم عن زميل آخر.
بني.. بني..
توالت الكلمات من فمها محاولة اللحاق به قبل أن يتوارى تحت بطانيته، لكن كلمات قليلة فقط تسربت إلى مسامعها من بين خيوط الصوف: حتى الذين يتقاتلون يا أمي هم نفس الأشخاص الذين يلبسون ربطات العنق هنا. ابنك لا يكذب وأنت تعرفينه جيدا، دعيه يسترح قليلا من ضجيج الوهم وأخبار الزيف. اعذريني هذه المرة، لا أريد أن تكون عدستي مرجعية فساد يلتهم الوطن بملاعق الوطنية اللامعة.





