مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

حبٌّ عالٍ.. الأحفاد- حسين عبروس

رجل ذو شعر داكن، يجلس في مكتب، يرتدي بدلة رمادية وقميص أزرق مع ربطة عنق مخططة، يبدو جاداً.

إذا منحك الله سرَّه الأبدي في امتداد الحياة، فقد وهبك في هذه الدنيا صورة أخرى من بقائك المتواصل في أبنائك وأحفادك؛ أولئك الذين يأتون كأنّهم الضوء المتأخّر الذي يرمّم في القلب ما تصدّع من تعب السّنين. وإذا فاتتك في زحمة الحياة فرصة الإصغاء العميق لطفولة أبنائك، أو سرقتك مشاغل العمر من دفء الاحتضان وكثرة الملاعبة، فإنّ الله يمنحك فرصة أخرى أكثر صفاءً وهدوءًا في محبة أبناء الأبناء؛ كأنّ الحفدة هدية سماويّة لتصحيح ما بعثرته الأيام،

واستدراك ما ضاع في زمن العوز العاطفي والانشغال القاسي.فالأحفاد ليسوا مجرد امتداد للنسب، بل امتداد للرّوح نفسها وهي تعود إليك في هيئة أجمل، وأكثر براءة وطمأنينة. تراهم فيكبر داخلك شيء قديم كان نائمًا؛ شيء يشبه الحنان الأول، ويشبه ضحكة العمر حين كانت أكثر خفّة. وحين تناغيهم، أو تمسك أصابعهم الصغيرة، أو تراقب دهشتهم الأولى للعالم، تعود أنت أيضًا طفلًا، لكن في صورة أنضج، وأصفى، وأكثر قدرة على فهم معنى الحبّ.

وأبناء الأبناء ــ بنين وبنات ــ هم جميعًا زهرات الغصن نفسه، لا فرق بينهم إلا فيما منحه الله من تنوّع الجمال واختلاف الطباع. فالبنت حفيدة تحمل في ضحكتها رقة القلب واتساع الحنان، وقد تكون سندًا وجدانيًا يملأ البيت نورًا وألفة، والولد حفيد يحمل في حركته امتداد الحيويّة وشغف الاكتشاف، لكنّه هو الآخر يحتاج الدّفء نفسه والكلمة الحانية نفسها. وما أقسى أن يتسلّل إلى قلب الجد أو الجدة ميزان تفضيل يجرح البراءة ويزرع الفروق حيث أراد الله

المودة الجامعة،فلا تجعل بين عصافيرك الصغيرة فرقًا بين البنات والبنين، فكلّهم منك وإن اختلفت الملامح وتنوّعت الطبائع وتوردت الصوّر. ازرع فيهم العدل كما تزرع الحب، وامنحهم من قلبك مساحة متساوية، لأنّ الطفل لا ينسى من أنصفه، ولا ينسى من جعله يشعر أنّه محبوب دون شرط. وإن كنت مبدعًا رأيت الكلمات تتدفّق من ينابيع الرّوح كلّما اقتربوا منك، وكأنّ الله يفتح لك أبواب البهجة على هيئة أصابع صغيرة وأصوات تناديك بصدق لا يشبهه

شيء،فاشكر الواهب على هذه النّعمة؛ فليس كل الناس يدركون سرّ الأحفاد، ولا كلّ القلوب تُمنح فرصة أن ترى الزّمن يعود إليها مبتسمًا، في هيئة ولد صغير أو بنت صغيرة، يحملان إليك معنى الخلود الإنساني الجميل.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading