في رحيل قاسم زبيدة: آخر نجوم الإنشاد اليمني/ صدام الزيدي
غيّب الموت، في منتصف أيار/ مايو المنصرم، المنشد اليمني، قاسم زبيدة، أحد مؤسسي جمعية المنشدين اليمنيين، ورئيسها منذ انطلاقتها في عام 1989.
وُلد زبيدة في صنعاء القديمة وسط بيئة مشبعة بالتراث والموشحات الدينية. برز منذ طفولته بعذوبة صوته وقدرته على أداء المقامات اليمنية المعقدة بإحساس روحاني عميق، ليصبح أحد آخر حرّاس المدرسة الصنعانية الأصيلة في زمن تراجعت فيه الفنون التراثية أمام الإيقاعات الحديثة. وبقيادة رئيسها، أخذت جمعية المنشدين على عاتقها تعزيز مكانة الإنشاد كلون من ألوان التراث الأصيلة في بلد تتنوع فنونه وإبداعاته على مر التاريخ، كما قادت الجمعية جهودًا كبيرة لحماية الإنشاد اليمني من الاندثار وعملت على نشره عربيًا عبر المشاركة في عدة مهرجانات ثقافية.
ترك زبيدة إرثًا صوتيًا وأدبيًا ثريًا، من أبرزه مخطوط بعنوان: “قبس من المورد الأعظم في سيرة الرسول الأكرم”، عبارة عن قصائد في سيرة النبي (ص) تجمع بين الشعر والذكر، وهي مما يُردد كثيرًا، لا سيما المناسبات الدينية، مثل ذكرى مولد النبي في كل عام.
وثمة كتاب بعنوان: “الاعتراف”، إضافة إلى إصدارات صوتية، أهمها: “الزفة الصنعانية”، وموشحات “مشارب”. ارتبطت أناشيده وابتهالاته بالذاكرة اليمنية، خاصة في رمضان والمناسبات الدينية والليالي الصنعانية.
وبرحيله، يخسر اليمن صوتًا ارتبط بالهوية الإيمانية والروحية والتراثية لليمنيين لعقود، غير أن أناشيده هي ما يبقى شاهدًا على أجمل حقبة ذهبية للإنشاد اليمني.
وتعد “الزفة الصنعانية”، بصوت قاسم زبيدة، واحدة من روائع الأناشيد اليمنية المرتبطة بمناسبات الزواج، فهي عمل أيقوني ارتبط بالأعراس الصنعانية التقليدية تحديدًا، يجمع بين المدائح النبوية والأهازيج الشعبية بأسلوب يحافظ على أصالة اللحن اليمني. أما موشحات “مشارب”، فهي نموذج للإنشاد الصوفي الذي كان يؤديه زبيدة بصوته الرهيف والجميل، وتعتبر مرجعًا لكل الذين يعملون على تطوير مواهبهم في فن المقامات اليمنية.
وفي مجمل كلمات الرثاء التي قيلت في رحيله، تبرز أهمية زبيدة صوتًا إنشاديًا لا يتكرر، بل إنه آخر الأصوات التي حافظت على نقاء المدرسة الصنعانية الأصيلة. ووفقًا لوزارة الثقافة والسياحة في صنعاء: “برحيل زبيدة، تفقد اليمن قامة استثنائية ومدرسة إنشادية فريدة”.
من صنعاء القديمة، حاضرة اليمن الأولى، خرج صوت زبيدة، متألقًا منذ بواكيره الأولى، ففي تلك الأزقة المحروسة بالقصور والمأهولة بالأسواق والمساجد والبساتين، ومن بين صخب الحياة اليومية الممزوجة بالهمّ اليومي وبلحظات الغناء والتجلي في آن، اندلع صوت قاسم زبيدة، وسط بيئة مشبعة بالمدائح النبوية والموشحات والمجالس الأدبية. هنالك، بين النوافذ المزخرفة والمآذن العتيقة، لفت الأنظار منذ طفولته بعذوبة صوته وقدرته النادرة على أداء المقامات اليمنية المعقدة بإحساس روحاني وهيبة لافتة، فصار اسمه يتردد في ليالي صنعاء قبل أن يتجاوزها إلى اليمن كله.
ولم يكن الإنشاد عنده مجرد مهنة، بل هوية كاملة. يقول المقربون منه إنه كان يرى في صوته أمانة لحفظ الذاكرة الجمعية اليمنية، فحافظ على نقاء المدرسة الصنعانية في زمن اجتاحت فيه الإيقاعات السريعة والموسيقى المستوردة مجالس الأفراح والمناسبات.
عبر جمعية المنشدين، قاد زبيدة جهودًا منظّمة لحفظ الإنشاد التقليدي وتأهيل أجيال من المنشدين اليمنيين، كما شارك بأعماله في محافل عربية ودولية عرّفت بلون أصيل من ألوان الغناء اليمني.
لقّبه الجمهور بـ”شيخ المنشدين اليمنيين”، وهو لقبٌ لم يأتِ من فراغ، بل من حضوره الطاغي في المناسبات الدينية والوطنية، ومن التزامه بأداء المدائح النبوية والذكر والأهازيج التي تعبّر عن عمق الهوية اليمنية بدون تهجين أو تقليد.
برحيل هذا الصوت اليماني الجميل والنادر، تُطوى صفحة من تاريخ الإنشاد اليمني، لكن يبقى قاسم زبيدة حاضرًا بصوته، في المجالس والمناسبات، وفي الألبومات والمنصات، ذلك الصوت هو الشاهد على حقبة حافظت فيها صنعاء على روحها رغم كل التحولات، فقد رحل قاسم، وهي سنة الحياة وتصاريف القدر، لكن صوته باقٍ، ومدرسته الإنشادية ستبقى مفتوحة أمام كل من أراد أن يتعلّم كيف يُغني لليمن من دون أن يفقدها.





