نرجسية التحدث / توفيق قريرة

توفيق قريرة

تحدث البلاغيون العرب القدامى عن الفصاحة باعتبارها قدرة مميزة لمن امتلكها على الكلام المبين والإفصاح بما لا يستطيع عامّة الناس الإفصاح عنه؛ فمركزية المتكلّم مهمّة من جهة قدرته على البيان والإقناع. وإذا أردنا أن نصف الفصيح من المتكلمين بعبارات التواصل الحديثة قلنا، إنّه متكلّم آخذ بأسباب التواصل بارع في الأخذ بناصيته ناجح في التحكم في التفاعلات الحوارية مع مخاطبه، أثناء محادثة معينة. فالفصاحة هي معادلة بين أمرين إذ اختلّ ركن منهما اعتلّ الكلام: معقولية التحكم في الكلام وإتقان مهارات التواصل.
نعني بمعقولية التحكم في الكلام ألاّ يسيطر المتكلم على الكلام فيمنع دوريّته ويحتكرها لنفسه، ولا يسمح بأن يمرّ إلى غيره؛ أمّا مهارات التواصل فهي أن يحسن توزيع الانتباه عند الحديث إلى من يستمعون إليه؛ وههنا تحسن الموازنة بين الكلام والإشارة؛ وأن يكون متمكّنا من كلّ أشكال الكلام وواعيا بردود أفعال المستمعين تجاه ما يقوله. لكنّ الإفراط في تملّك المتكلّم للكلام يمكن أن يسقطه في حالة لا ترضي من التواصل، هي الثرثرة وهي التي تعنينا في هذا المقال.
ليست الثرثرة حديثا خارج الأنساق مثلما يعتقد الجادّون من البشر، أو الذي لا يحسبون من الكلام إلا ما كان جادّا ويعتقدون أنّ الثرثرة إطناب في الكلام من غير فائدة وتخليط للقول من غير منهج. فالثرثرة، بهذا المعنى، وسم يطلق على الكثير من الكلام وكأنّها اشتقت من الغراب الثرثار الذي يكثر من الصياح، أو من النهر الثرثار الذي يكثر من الهدير عند الجريان. كثرة الصوت عند الغراب ليست إسهابا منه هي أصوات يحتاجها طبيعيا في لغوه في نعيقه ونعيبه، صحيح أنّ العرب يتطيّرون من هذا الصوت إنْ كان قليلا ولا يقبلون به إنْ كان كثيرا؛ لكنّ الغراب يحتاج صوته حاجته إلى جناحه ليطير ومنقاره كي ينقر وساقيه كي يسير في خيلاء على حرث أخضر جديد. وقياسا على ذلك، أن يتكلم الإنسان كثيرا فلا تعني له كثرة الكلام ما تعنيه لك، تقلق به وتبرم وتراه يبالغ ؛ بينما يعتقد هو أنّه يتحدّث وهو في أمس الحاجة لأن يفعل.
لقد سمّيت الثرثرة عملا من القول غير مفيد بالنظر إلى المستمع الذي يقيس كلام الآخرين بالفائدة. وهناك حيف في تحكيم المستمع على كلّ كلام قاله المتكلم. في قواعد غرايس التي صيغت حول مبدأ التعاون حديث عن قاعدة الكمّ التي تفترض أنّ المتكلم لا يقول من الكلام إلاّ ما أفاد في ما أراد تبليغه إلى مخاطبه، فينبغي ألا يزيد عليه أو ينقص. عن سؤال كم الساعة ينبغي أن تجيب إنها الرابعة والنصف، ولا يهمّ إن كانت الرابعة والنصف أم السادسة والربع في ساعتك التي فيها اضطراب لا تعلمه. لكنّ البشر ليسوا مبرمجين آليا حسبما ينتظره المستمع منهم. يمكن أن يكون سؤال جميلة لي عن الساعة فرصة لكي أجعلها تتكلم معي في سفرة طويلة في قطار، فأجيب بأني لا أحتاج الساعة فأنا لا يأسرني الزمن. لقد تقيدت بالسؤال ولكنّي تحايلت وعدلت عنه ورميت شباكا من الكلام قد يوصلني إلى غنمي، وقد يردّني خائبا فتغير سائلتي المقعد مثلا. الثرثرة هي شيء قريب من هذا تجيب عن الوقت بعد فوات الأوان، أي بعد مضيّ زمن السؤال عنه بفترة طويلة. الثرثرة قد تجعلك تستمع إلى شخص يحدثك عن كلّ شيء، إلاّ عمّا سألته عنه وربما سئمت من قوله غير أنك ستكون لطيفا فلن تنصرف عن الاهتمام بما يقول وتجاريه حتى عبر إيماءات الرأس تريد أن تقول إنّك تنتبه إليه.
الأصل في الأشياء أن تبنى المحاورة على تفاهم وتفاعل وتطوّر مشترك، ولكنّ الثرثرة هي هيمنة من طرف واحد على الحديث واغتنام الفرصة لوجود أذن تسمع وعين تبصر وجسد حاضر. قد يحدث شيء كهذا في الأحاديث الطويلة المسموعة جماعيا والملقاة فرديا مثل، المحاضرات، أو في المسرحيات في العرض الفردي One-man-show مع فرق كبير بين مسرحة الثرثرة، أو الإسهاب في الكلام على ركح وأن تكون عملا لغويا عفويا. ليست الإطالة في الكلام ولا السيطرة من طرف واحد عليه هما سمة الثرثرة فهذا موجود في أشكال الكلام المسترسل من جهة واحدة ؛ غير أنّ ما يميز الثرثرة هو الانخراط المرضي في الكلام المسهب، أو ما يسمّى في علم النفس بإدمان الكلام Talkaholism أو نرجسية التحدث Conversational narcissism ويصف عالم النفس الكندي سيدني جورارد Sidney Jourard في كتابه «الذات الشفافة» The Transparent Self إدمان الكلام بأنه «التعبير الذاتي غير المسؤول»، حيث يتحول الشغف بالتواصل إلى حالة من الإفراط، وتصبح المحادثة مجرد مونولوج متواصل وجارف. وفيه يتجاهل المتحدثون المسهبون مبدأ تبادل الأدوار في الحوار ويستبدل بما يقرب ممّا يسمّى استجابة التحويل Shift-response وتعني كسرا لمسار الحديث فبدلا من أن يتركز على المتحدث الأساسي يستغله الشخص الذي يردّ.
وفي هذا السياق تستعمل عبارة إدمان الكلام التي تعني أنّ المسهب في الكلام يجعل من التطويل فيه، أو الاستحواذ عليه عادة مرضية مثلما يدمن المدخّن على السيجارة وشارب الخمرة عليها، وككل مدمن فمن الممكن أن يعي من يفعل ذلك بإدمانه لكنّه لا يجد السبل إلى التخلص من ذلك الإدمان، لذلك يمضي المثرثر في ثرثرته بأن يستأثر بالمحادثات وإيهام نفسه بأنّه لا يثير قلق المستمع، أو انصرافه عنه وعدم الانتباه إلى مقاطعتهم؛ حتى يصبح التحدث عندهم قهريا ووسواسا.
ليس الطول المرضي في الكلام أمرا مرتبطا بالكلام اليومي، دون الأدبي لكنّ الفرق بين الأمرين أنّ عناصر كثيرة في الكلام الأدبي تخفيه، من بينها صيغة الكتابة التي تضمن الغياب الجسدي لشخص المتكلم وتترك القارئ، النظير للمستمع، في حرّية أن يتوقف عن القراءة، أو يواصلها فللقارئ من هذا المنظار حرّية أكثر في المتابعة، أو القطع ليست لمن يستمعون للثرثرة الملفوظة.
المطولات هي تسمية تطلق في النقد العربي على القصائد الطوال الجاهليات وهي المعلقات ثمّ على غيرها من القصائد الطويلة ويمكن أن نسمّي به كل النصوص التي فيها إسهاب. في هذه المطولات بعض السيطرة المرضية على الكلام وهذا شأن الملاحم اليونانية القديمة، أو القصائد الشعرية العربية القديمة: الطول المرضي يمكن أن يلحظ في ركود الوصف وملازمة الكلام محلا واحدا وفي تكرار المعاني مثلما نجده في بائية عبيد ابن الأبرص التالية: يصف الدمع المنسرب من العينين بأكثر من صورة فمرّة تكون كالشعيب وهو الوادي الصغير المنشعب بين الجبال: (عَيْنَاكَ دَمْعُهُما سَرُوبُ // كأنّ شَانَيْهِما شَعيبُ) ومرّة تكون كالجدول بين ظلال النخيل (أو جَدْوَلٌ في ظِلالِ نَخلٍ //للماءِ مِن تَحتِهِ سُكوبُ) وثالثة كعين نابعة (واهِيَةٌ أو مَعينٌ مُمعِنٌ // مِن هَضَبَةٍ دونَها لُهُوبُ) ورابعة كالفلج وهو قناة أو مجرى ماء (أو فَلَجٌ مَّا ببَطنِ وادٍ // للماءِ مِنْ تَحتِهِ قَسيبُ). ليس في الأمر ثرثرة طبعا فمن الممكن أن يغير الشاعر زوايا النظر للموصوف الواحد، لكن أن يكرر هو هذا الكلام أو يأخذه عنه غيره ويعيده أو ندعى إلى حفظه والقياس عليه فعندئذ سيفتك منّا أصواتنا التي نريدها أن تقول ولا تفعل. لكن حين يعدّد الشاعر أسماء الأماكن وهي من الأعلام التي لا نعتقد أنّ سامعه في جميع أنحاء الجزيرة يعرفها يدخل الشاعر في ضرب من الوسواس اللغوي وانسياق إلى الإدمان في عشق تسمية الأماكن لمن لا يعرفها فيقول: (أَقْفَر منْ أَهْلِهِ مَلْحُوبُ / فالقُطَّبِيّاتُ فالذَّنُوبُ؛ فَرَاكِسٌ فَثُعَيْلِباتٌ / فَذاتُ فِرْقَينْ فالقَليبُ؛ فعَرْدَةٌ، فَقَفَا حِبِرٍ// لَيْسَ بِهَا مِنْهُمُ عَرِيبُ). إنّ الإفراط في الحديث والثرثرة أمر نسبيّ يتعلق بمدى قبول من يستمع إليك إلى ما تقوله حين تكون مسهبا. لكنّ أذنا عاشقة لمن يتكلم ومحبّة لصوته ومسحورة بإيقاع نبرته لا يمكن أن تجد الكلام ثرثرة. غير أنّ السحر والانجذاب يقتله التكرار ويذبله الزمن فتصبح الأذن المشتاقة قلقة بما تسمع وعندها يصبح الكلام ثرثرة.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
القدس العربي





