هذا هو أبي / حبيب الإبراهيم
في سن مبكّرة ارتبطتُ بأبي، ومع الزمن تحوّل أبي إلى أخٍ وصديق ٍ ورفيق..
كنت ُ رغم َصِغر سنّي أقرأ في عينيه الثقة بالنفس والقدرة على صناعة المستحيل..
هذا هو أبي…. الحضن الدافىء لجدّي وجدتي، ورغم الفقر والعوز لم يتركهما لعاديات الزمن..
احتضنهما ليعيشا وهما في أواخر عمريهما تحت أنظاره وهو يوزع من قلبه المحبة والحنان.
هذا هو أبي يذرف الدموع وهو يودع جدي عند رحيله إلى دنيا الحق.. كنت أتساءل وأنا الطفل ابن السبع سنوات :لماذا يبكي أبي؟
لماذا يحزن أبي؟
عندما كبرت عرفت أن أبي فقد أباه، فقد السند والعضيد، فقد من كان ينصحه ويرشده، فقد من يعمل ليل نهار كي تكون اسرته مرتاحة و سعيدة.
هذا هو أبي الذي كان يوقظني باكراً لأرافقه إلى حصاد حقول القمح والشعير… إلى الرجيد والبيدر.
كنت أظن أن أبي لا يتعب، يمضي سحابة يومه في عمل ٍ لا ينتهي، يتوزع بين البذار والفلاحة والحصاد وأعمال البيدر..
رغم القلة والفقر وضيق ذات اليد كان يشعرنا بأننا أغنياء إلى أبعد الحدود ، زرع فينا الثقة بالنفس والقدرة على تحقيق ما نطمح إليه بالإرادة والتصميم والمثابرة والعمل الشريف.
هذا هو أبي… عزز فينا قيم الحق والخير ومساعدة الناس ومحبة الآخرين لتكبر معنا هذه القيم وتلك المبادىء في سلوكنا وأفعالنا.
كانت أسرتنا مؤلفة من خمسة أولاد وبنتين وأبي وأمي، لا نملك إلا بيتنا المتواضع، لا نملك أرضاً ولا راتباً ولا مهنة ً، لكن أبي كان يشعرنا بأننا نملك الكثير، نملك محبة الجيران وأهالي القرية، نملك ثقة الآخرين بنا واحترامهم لنا، كان يقول لنا: العلم وحده هو من يرفع شأننا ويبني مستقبلنا،
لذلك عزمنا على النجاح والتفوق والتميز بالجد والاجتهاد والعمل إلى جانب الدراسة.
بتوفيق الله ودعاء الوالدين كانت أسرتنا مثالاً للتعاون والتميز حيث خرّجت هذه الأسرة التربوي والمدرس والشاعر والكاتب والطبيب والأستاذ الجامعي والمهندس ومساعد المهندس…
هذا هو أبي.. كنا نقرأ الفرح في عينيه عندما يشير الناس إلى ابنائه، يشعر بالاعتزاز بهكذا أبناء يزرعون الخير في المجتمع ويساهمون في بناء الوطن.
لم يدرس أبي في مدرسة أو جامعة، لكن مدرسة الحياة صقلت شخصيته ومنحته القوة والاتزان والصبر والحكمة وسداد الرأي، لقد درس أبي عند (الخطيب) فكان بارعاً في القراءة والخط والحساب.
كان أبي جبلاً شامخاً لا ينحني، وعوداً قوياً قاسياً لا ينكسر، ورغم أننا نحمل الشهادات الجامعية تعلمنا منه الصبر والإيثار، تعلمنا منه حُسن التصرف، تعلمنا منه كل الأشياء الجميلة والنبيلة والمضيئة، فكان نبراسنا وقنديلنا الذي يضيء لنا عتمة الدروب..
كان أبي حنوناً عطوفاً طيّب القلب، صافي السريرة، صادق النيّة، عندما يودع أحداً منا تنداح الدموع من مقلتيه بدفء ٍ ومحبة.
أيها الأب الجميل، النبيل،الخلوق، الصادق، الحنون كم سنشعر بفقدك، برحيلك وأنت الخيمة التي كانت تظللنا وتُشعرنا بالطمأنينة والآمان.
أبناؤك، بناتك، أحفادك، أهلك، جيرانك، ناسك، أبناء قريتك… كم سيشعرون بفقدك؟
أبي.. النقي التقي، المؤمن الورع، نتذكر اليوم سجاياك، خصالك، نتذكر كلماتك، دعواتك، تراتيلك.. صحيح أنك غادرتنا جسداً،، لكنك باق ٍ فينا قيماً ومبادىء، باق ٍ فينا مُثلاً وسلوكاً ومواقف..
في مرضك وأنت ابن التسعين عاماً، كنت ُ أتلمس يديك المعفرتين بالطهر، أقبلهما، أقبل رأسك العالي، أمسح دمعاتك، أستذكر وإياك الماضي الجميل، كنت دائماً حامداً شاكراً الله على نِعمه…
أبي سيفتقدك بيتنا الذي بنيته بيديك وزرعته خيراً وحبّاً ودعوات..
ستفتقدك بوابة بيتنا وأنت تجلس على كرسيك تراقب الدالية و(حوّاش) الورود…
ستفتقدك شجرة الإكدنيا وأنت تجلس على كرسي الحديد تراقب مساكب الخضرة وأشجار الزيتون وبئر الماء في الحاكورة المحيطة بالبيت…
أبي ستفتقدك طيور اليمام وهي تعتلي أشجار السرو تطلق بين الحين والآخر هديلها الشجيّ…
أبي أنت الجسر الذي عبرنا عليه في حياتنا إلى بر الآمان…
كم سنشتاق لك، لنظراتك، لأحاديثك، لجدّيتك، للذكريات التي كنت تحكيها لنا… كم سنشتاق لك أيها الأب الجميل النبيل… كل كلمات اللغة وقواميسها تعجز عن الوصف والبيان..
أبي الغالي… لروحك الطاهرة الرحمة والمغفرة وإلى جنان الخلد بإذن الله.






